الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
وأما وجه تكرار الكلام فإن معنى الآية ﴿لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ في الحال، ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ في الحال، ﴿وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ في الاستقبال، ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ في الاستقبال، وهذا خطاب لمن سبق في علم الله سبحانه أنهم لا يؤمنون، وقال أكثر أهل المعاني : نزل القرآن بلسان العرب وعلى مجاري خطابهم، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التوكيد والإفهام، كما أن مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز ؛ لإن إتيان المتكلّم والخطيب وخروجه من شيء الى شيء آخر أفضل من اقتصاره في المقام على شيء واحد، قال الله تعالى :﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [ الرحمن ]
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] في غير موضع من سورة واحدة، وقال سبحانه :
﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٤ -٥] وقال : تعالى﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧] وقال :﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح: ٥-٦] كل هذا أراد به التأكيد، ويقول القائل : ارم ارم، عجّل عجل، ومنه الحديث " أن رسول الله ﷺ صعد المنبر ذات يوم فقال :" إن بني مخزوم استأذنوا أن ينكحوا فتاتهم علياً، فلا آذن، ثم لا آذن ؛ لأنَّ فاطمة بضعة مني، يسرّها ما يسرّني، ويسوءها ما يسوءني ".
ومنه قول الشاعر :
هلا سألت جموع كندةيوم ولوا أين أينا
وقال آخر :
يا علقمه يا علقمه يا علقمهخير تميم كلّها وأكرمه
وقال آخر :
قربا مربط النعامة منيلقحت حرب وائل عن حيان
ثم قال في عدة أبيات من هذه القصيدة :
لقحت حرب وائل عن حيان
وأنشدني أبو القاسم بن حبيب قال : أنشدني أبو القاسم عبد الرحمن بن المظفر الأنباري قال : أنشدنا أبو بكر محمد بن أحمد بن القاسم الأنباري لبعض نساء الإعراب.
يقول رجال زوجها لعلهاتقر وترضى بعده بحليل
فأخفت في النفس التي ليس دونهارجاء وإن الصدق أفضل قيل
أبعد ابن عمي سيد القوم مالكأزَّف إلى بعل ألدّ كليل
وحدّثني أصحابه أن مالكاًأقام ونادى صحبه برحيل
وحدّثني أصحابه أن مالكاًصروم كماضي الشفرتين صقيل
وحدّثني أصحابه أن مالكاًجواد بما في الرحل غير بخيل
وقال القتيبي : وفيه وجه آخر وهو أنَّ قريشاً قالوا : إن سرّك أن ندخل في دينك عاماً فأدخل في ديننا عاماً، فنزلت هذه السورة، فتكرار الكلام لتكرار الوقت، وقال : فيه وجه آخر، وهو أن القرآن نزل شيئا بعد شيء، وآية بعد آية، فكأنهم قالوا : اعبد آلهتنا سنة، فقال الله سبحانه :﴿لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ثم قالوا بعد ذلك : استلم بعض آلهتنا، فانزل الله تعالى :﴿وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى