معالم التنزيل — البغوي

عن الكتاب
ثم ذكر الله قصة أصحاب الكهف فقال :﴿إذ أوى الفتية إلى الكهف﴾ أي صاروا إليه، واختلفوا في سبب مصيرهم إلى الكهف : فقال محمد بن إسحاق بن يسار : مرج أهل الإنجيل، وعظمت فيهم الخطايا، وطغت فيه الملوك حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت، وفيهم بقايا على دين المسيح متمسكين بعبادة الله وتوحيده، فكان ممن فعل ذلك من ملوكهم ملك من الروم يقال له دقيانوس عبد الأصنام وذبح للطواغيت، وقتل من خالفه، وكان ينزل قرى الروم، ولا يترك في قرية نزلها أحداً إلا فتنة حتى يعبد الأصنام ويذبح للطواغيت أو قتله، حتى نزل مدينة أصحاب الكهف، وهي أفسوس فلما نزلها كبر على أهل الإيمان، فاستخفوا منه، وهربوا في كل وجه، وكان دقيانوس حين قدمها أمر أن يتبع أهل الإيمان فيجمعوا له، واتخذ شرطاً من الكفار من أهلها، يتبعون أهل الإيمان في أماكنهم فيخرجونهم إلى دقيانوس فيخيرهم بين القتل وبين عبادة الأوثان والذبح للطواغيت، فمنهم من يرغب في الحياة، ومنهم من يأبى أن يعبد غير الله فيقتل، فلما رأى ذلك أهل الشدة في الإيمان بالله جعلوا يسلمون أنفسهم للعذاب والقتل، فيقتلون ويقطعون ثم يربط ما قطع من أجسامهم على سور المدينة من نواحيها وعلى كل باب من أبوابها حتى عظمت الفتنة، فلما رأى ذلك الفتية حزنوا حزناً شديداً، فقاموا واشتغلوا بالصلاة والصيام والصدقة والتسبيح والدعاء، وكانوا من أشراف الروم، وكانوا ثمانية نفر، بكوا وتضرعوا إلى الله وجعلوا يقولون : ربنا رب السماوات والأرض، لن ندعو من دونه إلهاً، لقد قلنا إذاً شططاً إن عبدنا غيره، اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة، وارفع عنهم هذا البلاء حتى يعلنوا عبادتك، فبينما هم على مثل ذلك، وقد دخلوا في مصلى لهم أدركهم الشرط فوجدوهم وهم سجود على وجوههم، يبكون ويتضرعون إلى الله، فقالوا لهم : ما خلفكم عن أمر الملك ؟ انطلقوا إليه، ثم خرجوا فرفعوا أمرهم إلى دقيانوس فقالوا : تجمع الناس للذبح لآلهتك وهؤلاء الفتية من أهل بيتك يستهزؤون بك ويعصون أمرك ! فلما سمع بذلك بعث إليهم، فأتى بهم تفيض أعينهم من الدمع معفرة وجوههم بالتراب، فقال لهم : ما منعكم أن تشهدوا الذبح لآلهتنا التي تعبد في الأرض وتجعلوا أنفسكم أسوة لسادات من أهل مدينتكم ؟ اختاروا : إما أن تذبحوا لآلهتنا، وإما أن أقتلكم. فقال مكسلمينا، وهو أكبرهم : إن لنا إلهاً ملأ السماوات والأرض عظمة، لن ندعو من دونه إلهاً أبداً، له الحمد والتكبير والتسبيح من أنفسنا خالصاً أبداً، إياه نعبد وإياه نسأل النجاة والخير، فأما الطواغيت فلن نعبدها أبداً، فاصنع بنا ما بدا لك، وقال أصحاب مكسلمينا لدقيانوس مثل ما قال مكسلمينا، فلما قالوا ذلك أمر فنزع عنهم لبوساً كان عليهم من لبوس عظمائهم ثم قال : سأفرغ لكم فأنجز لكم ما أوعدتكم من العقوبة، وما يمنعني أن أعجل ذلك لكم إلا أني أراكم شباناً حديثة أسنانكم، فلا أحب أن أهلككم حتى أجعل لكم أجلاً تذكرون فيه وتراجعون عقولكم، ثم أمر بحلية كانت عليهم من ذهب وفضة فنزعت عنهم، ثم أمر بهم فأخرجوا من عنده. وانطلق دقيانوس إلى مدينة سوى مدينتهم قريباً منهم لبعض أموره، فلما رأى الفتية خروجه بادروا قدومه، وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يذكرهم وأن يعذبهم فأتمروا بينهم أن يأخذ كل رجل منهم نفقة من بيت أبيه فيتصدقوا منها، ويتزودوا بما بقي، ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة في جبل يقال له بخلوس، فيمكثون فيه ويعبدون الله حتى إذا جاء دقيانوس أتوه فقاموا بين يديه فيصنع بهم ما شاء، فلما قال ذلك بعضهم لبعض عمد كل فتى منهم إلى بيت أبيه فأخذ نفقة فتصدق منها، ثم انطلقوا بما بقي معهم واتبعهم كلب كان لهم حتى أتوا ذلك الكهف، فلبثوا فيه. قال كعب الأحبار : مروا بكلب فتبعهم فطردوه ففعل ذلك مراراً فقال لهم الكلب : يا قوم ما تريدون مني ؟ لا تخشون جانبي، أنا أحب أحباب الله، فناموا حتى أحرسكم. وقال ابن عباس : هربوا ليلاً من دقيانوس، وكانوا سبعة فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم، وتبعه كلبه، فخرجوا من البلد إلى الكهف وهو قريب من البلد. قال ابن إسحاق : فلبثوا فيه ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتكبير والتحميد ابتغاء وجه الله، وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم يقال له : تمليخا فكان يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سراً، وكان من أحملهم وأجلدهم، وكان إذا دخل المدينة يضع ثياباً كانت عليه حساناً ويأخذ ثياباً كثياب المساكين الذين يستطعمون فيها، ثم يأخذ ورقة فينطلق إلى المدينة فيشتري لهم طعاماً وشراباً، ويتجسس لهم الخبر هل ذكر هو وأصحابه بشيء، ثم يرجع إلى أصحابه فلبثوا بذلك ما لبثوا، ثم قدم دقيانوس المدينة فأمر عظماء أهلها فذبحوا للطواغيت، ففزع من ذلك أهل الإيمان، وكان تمليخا بالمدينة يشتري لأصحابه طعامهم فرجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل، وأخبرهم أن الجبار قد دخل المدينة، وأنهم قد ذكروا والتمسوا مع عظماء المدينة، ففزعوا ووقعوا سجوداً يدعون الله ويتضرعون إليه ويتعوذون من الفتنة، ثم إن تمليخا قال لهم : يا أخوتاه ارفعوا رؤوسكم واطعموا وتوكلوا على ربكم، فرفعوا رؤوسهم وأعينهم تفيض من الدمع، فطعموا، وذلك غروب الشمس، ثم جلسوا يتحدثون ويتدارسون ويذكر بعضهم بعضاً، فبينما هم على ذلك ضرب الله على آذانهم النوم في الكهف، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، فأصابه ما أصابهم، وهم مؤمنون موقنون ونفقتهم عند رؤوسهم. فلما كان من الغد فقدهم دقيانوس فالتمسهم فلم يجدهم، فقال لبعضهم : لقد ساءني شأن هؤلاء الفتية الذين ذهبوا، لقد كانوا ظنوا أن بي غضباً عليهم لجهلهم ما جهلوا من أمري، ما كنت لأحمل عليهم إن هم تابوا وعبدوا آلهتي، فقال عظماء المدينة : ما أنت بحقيق أن ترحم قوماً فجرة مردة عصاة قد كنت أجلت لهم أجلاً ولو شاءوا لرجعوا في ذلك الأجل، ولكنهم لم يتوبوا، فلما قالوا ذلك غضب غضباً شديداً، ثم أرسل إلى آبائهم فأتى بهم فسألهم عنهم، فقال : أخبروني عن أبنائكم المردة الذين عصوني، ووعدهم بالقتل، فقالوا له : أما نحن فلم نعصك، فلم تقتلنا بقوم مردة قد ذهبوا بأموالنا، فأهلكوها في أسواق المدينة، ثم انطلقوا وارتقوا إلى جبل يدعى بخلوس ؟ فلما قالوا له ذلك خلى سبيلهم، وجعل لا يدري ما يصنع بالفتية، فألقى الله في نفسه أن يأمر بالكهف فيسد عليهم وأراد الله أن يكرمهم ويجعلهم آية لأمة تستخلف من بعدهم، وأن يبين لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، فأمر دقيانوس بالكهف أن يسد عليهم، وقال : دعوهم كما هم في الكهف يموتون جوعاً وعطشاً ويكون كهفهم الذي اختاروا قبراً لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم، وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف قد غشيهم ما غشيهم، يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال. ثم إن رجلين مؤمنين في بيت الملك دقيانوس يكتمان إيمانهما اسم أحدهما يندروس واسم آخر روتاس، ائتمرا أن يكتبا شأن الفتية وأنسابهم وأسماءهم وخبرهم في لوح من رصاص ويجعلاهما في تابوت من نحاس، ويجعلا التابوت في البنيان، وقالا : لعل الله أن يظهر على هؤلاء الفتية قوماً مؤمنين قبل يوم القيامة، فيعلم من فتح عنهم حين يقرأ هذا الكتاب خبرهم، ففعلا وبنيا عليه فبقي دقيانوس ما بقي، ثم مات هو وقومه وقرون بعده كثيرة وخلفت الملوك بعد الملوك. وقال عبيد بن عمير : كان أصحاب الكهف فتياناً مطوقين مسورين ذوي ذوائب، وكان معهم كلب صيدهم فخرجوا في عيد لهم عظيم في زي عظيم وموكب وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدونها، وقذف الله في قلوب الفتية الإيمان، وكان أحدهم وزير الملك، فآمنوا وأخفى كل واحد منهم إيمانه فقالوا في أنفسهم : نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم، لا يصيبنا عقاب بجرمهم، فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة، فجلس فيه، ثم خرج آخر فرآه جالساً وحده فرجا أن يكون على مثل أمره من غير أن يظهر ذلك، ثم خرج الآخر فاجتمعوا إلى مكان، فقال بعضهم لبعض : ما جمعكم ؟ وكل واحد يكتم صاحبه إيمانه مخافةً على نفسه. ثم قالوا : ليخرج كل فتى فيخلو بصاحبه ثم يفشي كل واحد سره إلى صاحبه، ففعلوا فإذا هم جميعاً على الإيمان، وإذا كهف في الجبل قريب منهم فقال بعضهم لبعض : فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته، فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيدهم فناموا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، وفقدهم قومهم فطلبوهم فعمى الله عليهم آثارهم وكهفهم، فكتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح : فلان وفلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم في شهر كذا في سنة كذا في مملكة فلان بن فلان ووضعوا اللوح في خزانة الملك، وقالوا : ليكونن لهذا شأن ومات ذلك الملك، وجاء قرن بعد قرن. وقال وهب بن منبه : جاء حواري عيسى عليه السلام إلى مدينة أصحاب الكهف فأراد أن يدخلها فقيل له : إن على بابها صنماً لا يدخلها أحد إلا سجد له فكره أن يدخلها، فأتى حماما ً قريباً من المدينة فكان يؤاجر نفسه من الحمامي، ويعمل فيه ورأى صاحب الحمام في حمامه البركة وعلقه فتية من أهل المدينة فجعل يخبرهم خبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا وصدقوه، وكان شرط على صاحب الحمام أن الليل لي لا يحول بيني وبينه ولا بين الصلاة أحد، وكان على ذلك حتى أتى ابن الملك بامرأة فدخل بها الحمام فعيره الحواري، وقال : أنت ابن الملك وتدخل مع هذه ؟ فاستحيا وذهب فرجع مرة أخرى، فقال له مثل ذلك فسبه وانتهره ولم يلتفت إلى ذلك حتى دخلا فماتا في الحمام، وأتى الملك فقيل له : قتل صاحب الحمام ابنك فالتمس فلم يقدر عليه وهرب، فقال : من كان يصاحبه ؟ فسموا الفتية فالتمسوا فخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم على مثل إيمانهم فانطلق معهم ومعه كلب حتى آواهم الليل إلى الكهف فدخلوه، وقالوا : نلبث هاهنا إلى الليل ثم نصبح إن شاء الله تعالى، فترون رأيكم فضرب الله على آذانهم، فخرج الملك في أصحابه يبتغونهم حتى وجدوهم، فدخلوا الكهف، فلما أراد رجل منهم دخوله أرعب فلم يطق أحد أن يدخله، فقال قائل منهم : أليس لو قدرت عليهم قتلتهم ؟ قال : بلى، قال : فابن عليهم باب الكهف واتركهم فيه يموتون جوعاً وعطشاً. ففعل. قال وهب : فعبر زمان بعد زمان بعدما سد عليهم باب الكهف، ثم إن راعياً أدركه المطر عند الكهف فقال لو فتحت هذا الكهف وأدخلت غنمي فيه من المطر لكان حسنا ً، فلم يزل يعالجه حتى فتح ورد الله عليهم أرواحهم من الغد حين أصبحوا. وقال محمد بن إسحاق : ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له : بيدروس، فلما ملك بقي في ملكه ثمانياً وستين سنة فتحزب الناس في ملكه فكانوا أحزاباً، منهم من يؤمن بالله، ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذب بها، فكبر ذلك على الملك الصالح فبكى وتضرع إلى الله وحزن حزناً شديداً لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق، ويقولون لا حياة إلا حياة الدنيا، وإنما تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد، فجعل بيدروس يرسل إلى من يظن فيه خيراً وأنهم أئمة في ا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى