الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
﴿أَيُّ﴾ يتضمن معنى الاستفهام، فعلق عنه ﴿لَنَعْلَمَ﴾ فلم يعمل فيه. وقرىء «ليعلم » وهو معلق عنه أيضاً ؛ لأن ارتفاعه بالابتداء لا بإسناد «يعلم » إليه وفاعل «يعلم » مضمون الجملة كما أنه مفعول «نعلم » ﴿أَيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ المختلفين منهم في مدّة لبثهم ؛ لأنهم لما انتبهوا اختلفوا في ذلك، وذلك قوله ﴿قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩] وكان الذين قالوا ربكم أعلم بما لبثتم : هم الذين علموا أن لبثهم قد تطاول أو أي الحزبين المختلفين من غيرهم، و ﴿أحصى﴾ فعل ماض أي أيهم ضبط ﴿أَمَدًا﴾ لأوقات لبثهم.
فإن قلت : فما تقول فيمن جعله من أفعل التفضيل ؟ قلت : ليس بالوجه السديد، وذلك أن بناءه من غير الثلاثي المجرّد ليس بقياس. ونحو «أعدى من الجرب »، و «أفلس من ابن المذلق » شاذ. والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع، فكيف به ؟ ولأن ﴿أَمَدًا﴾ لا يخلو : إما أن ينتصب بأفعل فأفعل لا يعمل. وإما أن ينصب بلبثوا، فلا يسدّ عليه المعنى. فإن زعمت أني أنصبه بإضمار فعل يدل عليه أحصى، كما أضمر في قوله :
وَأَضْرَبَ مِنَّا بِالسُّيُوفِ القَوَانِسَا ***
على : نضرب القوانس، فقد أبعدت المتناول وهو قريب، حيث أبيت أن يكون أحصى فعلاً، ثم رجعت مضطراً إلى تقديره وإضماره.
فإن قلت : كيف جعل الله تعالى العلم بإحصائهم المدّة غرضاً في الضرب على آذانهم ؟ قلت : الله عز وجل لم يزل عالماً بذلك، وإنما أراد ما تعلق به العلم من ظهور الأمر لهم، ليزدادوا إيماناً واعتباراً، ويكون لطفاً لمؤمني زمانهم، وآية بينة لكفاره.
فإن قلت : فما تقول فيمن جعله من أفعل التفضيل ؟ قلت : ليس بالوجه السديد، وذلك أن بناءه من غير الثلاثي المجرّد ليس بقياس. ونحو «أعدى من الجرب »، و «أفلس من ابن المذلق » شاذ. والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع، فكيف به ؟ ولأن ﴿أَمَدًا﴾ لا يخلو : إما أن ينتصب بأفعل فأفعل لا يعمل. وإما أن ينصب بلبثوا، فلا يسدّ عليه المعنى. فإن زعمت أني أنصبه بإضمار فعل يدل عليه أحصى، كما أضمر في قوله :
وَأَضْرَبَ مِنَّا بِالسُّيُوفِ القَوَانِسَا ***
على : نضرب القوانس، فقد أبعدت المتناول وهو قريب، حيث أبيت أن يكون أحصى فعلاً، ثم رجعت مضطراً إلى تقديره وإضماره.
فإن قلت : كيف جعل الله تعالى العلم بإحصائهم المدّة غرضاً في الضرب على آذانهم ؟ قلت : الله عز وجل لم يزل عالماً بذلك، وإنما أراد ما تعلق به العلم من ظهور الأمر لهم، ليزدادوا إيماناً واعتباراً، ويكون لطفاً لمؤمني زمانهم، وآية بينة لكفاره.