المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
و «البعث » التحريك بعد سكون، وهذا مطرد مع لفظة البعث حيث وقعت، وقد يكون السكون في الشخص أو عن الأمر المبعوث فيه وإن كان الشخص متحركاً، وقوله ﴿لنعلم﴾ عبارة عن خروج ذلك الشيء إلى الوجود، وهذا على نحو كلام العرب أي لنعلم ذلك موجوداً، وإلا فقد كان الله تعالى علم ﴿أي الحزبين﴾ أحصى الأمد وقرأ الزهري «ليعلم » بالياء، و «الحزبان » الفريقان، والظاهر من الآية أن الحزب الواحد هم الفتية، إذ ظنوا لبثهم قليلاً، والحزب الثاني هم أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم حين كان عندهم التاريخ بأمر الفتية، وهذا قول الجمهور من المفسرين، وقالت فرقة : هما حزبان من الكافرين اختلفا في مدة أصحاب الكهف، وقالت فرقة : هما حزبان من المؤمنين، وهذا لا يرتبط من ألفاظ الآية، وأما قوله ﴿أحصى﴾ فالظاهر الجيد فيه أنه فعل ماض، و ﴿أمداً﴾ منصوب به على المفعول، و «الأمد » الغاية، وتأتي عبارة عن المدة من حيث للمدة غاية هي أمدها على الحقيقة، وقال الزجاج :﴿أحصى﴾ هو أفعل، و ﴿أمداً﴾ على هذا نصب على التفسير، ويلحق هذا القول من الاختلال أن أفعل لا يكون من فعل رباعي إلا في الشاذ، و ﴿أحصى﴾ فعل رباعي، ويحتج لقول أبي إسحاق بأن أفعل من الرباعي قد كثر، كقولك ما أعطاه للمال، وآتاه للخير، وقال النبي عليه السلام في صفه جهنم :
«هي أسود من القار »(١) وقال في صفة حوضه عليه السلام «ماؤه أبيض من اللبن »(٢) وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه «فهو لما سواها أضيع » وهذه كلها أفعل من الرباعي(٣)، وقال مجاهد :﴿أمداً﴾ معناه عدداً، وهذا تفسير بالمعنى على جهة التقريب، وقال الطبري : نصب ﴿أمداً﴾ ب ﴿لبثوا﴾، وهذا غير متجه.
١ أخرجه مالك في الموطأ، (جهنم) – (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي)..
٢ أخرجه البخاري في الرقاق، والترمذي في التفسير، وابن ماجه في الزهد. ولفظه كما رواه البخاري، عن عبد الله بن عمرو، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدا)..
٣ من المعروف أن (أبيض وأسود) ليسا مبنيين من الرباعي، وقد وضح أبو حيان آراء بعض العلماء في بناء أفعل للتعجب والتفضيل، وطبقها على [أحصى] في هذه الآية، ويمكن الرجوع إلى ذلك في (البحر المحيط ٦- ١٠٤)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى