مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿ثم بعثناهم﴾ يريد من بعد نومهم يعني أيقظناهم بعد نومهم وقوله :﴿لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا﴾ فيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله :﴿ثم بعثناهم لنعلم﴾ اللام لام الغرض فيدل على أن أفعال الله معللة بالأغراض وقد سبق الكلام فيه.
المسألة الثانية : ظاهر اللفظ يقتضي أنه تعالى إنما بعثهم ليحصل له هذا العلم وعند هذا يرجع إلى أنه تعالى هل يعلم الحوادث قبل وقوعها أم لا، فقال هشام : لا يعلمها إلا عند حدوثها واحتج بهذه الآية والكلام فيه قد سبق، ونظائر هذه الآية كثيرة في القرآن منها ما سبق في هذه السورة ومنها قوله في سورة البقرة :﴿إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ وفي آل عمران ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾ وقوله :﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم﴾ وقوله :﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم﴾.
المسألة الثالثة : ﴿أي﴾ رفع بالابتداء و ﴿أحصى﴾ خبره وهذه الجملة بمجموعها متعلق العلم فلهذا السبب لم يظهر عمل قوله :﴿لنعلم﴾ في لفظة ﴿أي﴾ بل بقيت على ارتفاعها ونظيره قوله : اذهب فاعلم أيهم قام قال تعالى :﴿سلهم أيهم بذلك زعيم﴾ وقوله :﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا﴾ وقرئ ليعلم على فعل ما لم يسم فاعله وفي هذه القراءة فائدتان. إحداهما : أن على هذا التقدير لا يلزم إثبات العلم المتجدد لله بل المقصود أنا بعثناهم ليحصل هذا العلم لبعض الخلق. والثانية : أن على هذا التقدير يجب ظهور النصب في لفظة أي، لكن لقائل أن يقول : الإشكال بعد باق لأن ارتفاع لفظة أي بالإبتداء لا بإسناد يعلم إليه. ولمجيب أن يجيب فيقول : إنه لا يمتنع اجتماع عاملين على معمول واحد لأن العوامل النحوية علامات ومعرفات ولا يمتنع اجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد، والله أعلم.
المسألة الرابعة : اختلفوا في الحزبين فقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكا بعد ملك، فالملوك حزب وأصحاب الكهف حزب. والقول الثاني : قال مجاهد : الحزبان من هذه الفتية لأن أصحاب الكهف لما انتبهوا اختلفوا في أنهم كم ناموا والدليل عليه قوله تعالى :﴿قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم﴾ فالحزبان هما هذان، وكان الذين قالوا ربكم أعلم بما لبثتم هم الذين علموا أن لبثهم قد تطاول. القول الثالث : قال الفراء : إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم.
المسألة الخامسة : قال أبو علي الفارسي قوله ﴿أحصى﴾ ليس من باب أفعل التفضيل لأن هذا البناء من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس فأما قولهم ما أعطاه للدرهم وما أولاه للمعروف وأعدى من الجرب وأفلس من ابن المدلق، فمن الشواذ والشاذ لا يقاس عليه بل الصواب أن أحصى فعل ماض وهو خبر المبتدأ والمبتدأ والخبر مفعول نعلم وأمدا مفعول به لأحصى وما في قوله تعالى :﴿لما لبثوا﴾ مصدرية والتقدير أحصى أمدا للبثهم، وحاصل الكلام لنعلم أي الحزبين أحصى أمد ذلك اللبث، ونظيره قوله :﴿أحصاه الله﴾ وقوله :﴿وأحصى كل شيء عددا﴾.
المسألة السادسة : احتج أصحابنا الصوفية بهذه الآية على صحة القول بالكرامات وهو استدلال ظاهر ونذكر هذه المسألة ههنا على سبيل الاستقصاء فنقول قبل الخوض في الدليل على جواز الكرامات نفتقر إلى تقديم مقدمتين :
المقدمة الأولى : في بيان أن الولي ما هو فنقول ههنا وجهان، الأول : أن يكون فعيلا مبالغة من الفاعل كالعليم والقدير فيكون معناه من توالت طاعاته من غير تخلل معصية. الثاني : أن يكون فعيلا بمعنى مفعول كقتيل وجريح بمعنى مقتول ومجروح. وهو الذي يتولى الحق سبحانه حفظه وحراسته على التوالي عن كل أنواع المعاصي ويديم توفيقه على الطاعات واعلم أن هذا الاسم مأخوذ من قوله تعالى :﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ وقوله :﴿وهو يتولى الصالحين﴾ وقوله تعالى :﴿أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾ وقوله :﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ وقوله :﴿إنما وليكم الله ورسوله﴾ وأقول الولي هو القريب في اللغة فإذا كان العبد قريبا من حضرة الله بسبب كثرة طاعاته وكثرة إخلاصه وكان الرب قريبا منه برحمته وفضله وإحسانه فهناك حصلت الولاية.
المقدمة الثانية : إذا ظهر فعل خارق للعادة على الإنسان فذاك إما أن يكون مقرونا بالدعوى أولا مع الدعوى والقسم الأول وهو أن يكون مع الدعوى فتلك الدعوى إما أن تكون دعوى الإلهية أو دعوى النبوة أو دعوى الولاية أو دعوى السحر وطاعة الشياطين، فهذه أربعة أقسام. القسم الأول : إدعاء الإلهية وجوز أصحابنا ظهور خوارق العادات على يده من غير معارضة كما نقل، أن فرعون كان يدعي الإلهية وكانت تظهر خوارق العادات على يده وكما نقل ذلك أيضا في حق الدجال. قال أصحابنا : وإنما جاز ذلك لأن شكله وخلقته تدل على كذبه فظهور الخوارق على يده لا يفضي إلى التلبيس. والقسم الثاني : وهو ادعاء النبوة فهذا القسم على قسمين لأنه إما أن يكون ذلك المدعي صادقا أو كاذبا فإن كان صادقا وجب ظهور الخوارق على يده وهذا متفق عليه بين كل من أقر بصحة نبوة الأنبياء، وإن كان كاذبا لم يجز ظهور الخوارق على يده وبتقدير أن تظهر وجب حصول المعارضة. وأما القسم الثالث : وهو ادعاء الولاية والقائلون بكرامات الأولياء اختلفوا في أنه هل يجوز أن يدعي الكرامات ثم إنها تحصل على وفق دعواه أم لا. وأما القسم الرابع : وهو ادعاء السحر وطاعة الشيطان فعند أصحابنا يجوز ظهور خوارق العادات على يده وعند المعتزلة لا يجوز. وأما القسم الثاني : وهو أن تظهر خوارق العادات على يد إنسان من غير شيء من الدعاوى، فذلك الإنسان إما أن يكون صالحا مرضيا عند الله، وإما أن يكون خبيثا مذنبا. والأول هو القول بكرامات الأولياء، وقد اتفق أصحابنا على جوازه وأنكرها المعتزلة إلا أبا الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي. وأما القسم الثالث : وهو أن تظهر خوارق العادات على بعض من كان مردودا عن طاعة الله تعالى فهذا هو المسمى بالاستدراج فهذا تفصيل الكلام في هاتين المقدمتين، إذا عرفت ذلك فنقول : الذي يدل على جواز كرامات الأولياء القرآن والأخبار والآثار والمعقول. أما القرآن فالمعتمد فيه عندنا آيات :
الحجة الأولى : قصة مريم عليها السلام، وقد شرحناها في سورة آل عمران فلا نعيدها.
الحجة الثانية : قصة أصحاب الكهف وبقاؤهم في النوم أحياء سالمين عن الآفات مدة ثلاثمائة سنة وتسع سنين وأنه تعالى كان يعصمهم من حر الشمس كما قال :﴿وتحسبهم أيقاظا وهم رقود﴾ إلى قوله :﴿وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين﴾ ومن الناس من تمسك في هذه المسألة بقوله تعالى :﴿قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ وقد بينا أن ذلك الذي كان عنده علم من الكتاب هو سليمان فسقط هذا الاستدلال. أجاب القاضي عنه بأن قال : لا بد من أن يكون فيهم أو في ذلك الزمان نبي يصير ذلك علما له لما فيه من نقض العادة كسائر المعجزات، قلنا : إنه يستحيل أن تكون هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء لأن إقدامهم على النوم أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأن الناس لا يصدقونه في هذه الواقعة لأنهم لا يعرفون كونهم صادقين في هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤوا في هذا الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلاثمائة سنين وتسع سنين وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء فلم يبق إلا أن تجعل كرامة للأولياء وإحسانا إليهم.
أما الأخبار فكثيرة : الخبر الأول : ما أخرج في «الصحيحين » عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال :" لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم عليه السلام وصبي في زمن جريج الناسك وصبي آخر، أما عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلا عابدا ببني إسرائيل وكانت له أم فكان يوما يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت : يا جريج فقال يا رب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى فدعته ثانيا فقال مثل ذلك حتى قال ثلاث مرات وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمه قالت : اللهم لا تمته حتى تريه المومسات، وكانت زانية هناك فقالت لهم : أنا أفتن جريجا حتى يزني فأتته فلم تقدر على شيء، وكان هناك راع يأوي بالليل إلى أصل صومعته قلما أعياها راودت الراعي على نفسها فأتاها فولدت ثم قالت ولدي هذا من جريج فأتاها بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه فصلى ودعا ثم نخس الغلام قال أبو هريرة : كأني أنظر إلى النبي ﷺ حين قال بيده يا غلام من أبوك ؟ فقال : الراعي فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه. وقالوا : نبني صومعتك من ذهب أو فضة فأبى عليهم، وبناها كما كانت، وأما الصبي الآخر فإن امرأة كان معها صبي لها ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو شارة حسنة فقالت : اللهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي : اللهم لا تجعلني مثله ثم مرت بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت : اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، فقال الصبي : اللهم اجعلني مثلها. فقالت له أمه في ذلك : فقال إن الشاب كان جبارا من الجبابرة فكرهت أن أكون مثله وإن هذه قيل إنها زنت ولم تزن وقيل إنها سرقت ولم تسرق وهي تقول حسبي الله " الخبر الثاني : وهو خبر الغار وهو مشهور في «الصحاح » عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال : قال رسول الله ﷺ :" انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل وسدت عليهم باب الغار فقالوا : والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم : كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما فناما في ظل شجرة يوما فلم أبرح عنهما وحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما فقمت والقدح في يدي انتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجا لا يستطيعون الخروج منه، ثم قال الآخر : كانت لي ابنة عم وكانت أحب الناس إلي فراودتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها مالا عظيما على أن تخلي بيني وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت : لا يجوز لك أن تفك الخاتم إلا بحقه ! فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، قال رسول الله ﷺ ثم قال الثالث : اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجورهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين وقال : يا عبد الله أد إلي أجرتي، فقلت له : كل ما ترى من أجرتك من الإبل والغنم والرقيق فقال : يا عبد الله أتستهزئ بي ؟ فقلت : إني لا أستهزئ بك فأخذ ذلك كله اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون "
وهذا حديث حسن صحيح متفق عليه. الخبر الثالث : قوله ﷺ :" رب أشعث أغبر ذي ط

تفسير هذه الآية من كتب أخرى