فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿وكذلك أَعثرنا عَلَيْهِمْ﴾ أي : وكما أنمناهم وبعثناهم، أعثرنا عليهم، أي : أطلعنا الناس عليهم وسمي الإعلام : إعثاراً، لأن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه، فكان الإعثار سبباً لحصول العلم. ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ أي : ليعلم الذين أعثرهم الله عليهم أن وعد الله بالبعث حق. قيل : وكان ملك ذلك العصر ممن ينكر البعث، فأراه الله هذه الآية. قيل : وسبب الإعثار عليهم أن ذلك الرجل الذي بعثوه بالورق، وكانت من ضربة دقيانوس إلى السوق، لما اطلع عليها أهل السوق اتهموه بأنه وجد كنزاً، فذهبوا به إلى الملك، فقال له : من أين وجدت هذه الدراهم ؟ قال : بعت بها أمس شيئاً من التمر، فعرف الملك صدقه، ثم قصّ عليه القصة فركب الملك وركب أصحابه معه حتى وصلوا إلى الكهف ﴿وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا﴾ أي : وليعلموا أن القيامة لا شكّ في حصولها، فإن من شاهد حال أهل الكهف علم صحة ما وعد الله به من البعث ﴿إِذْ يتنازعون بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ الظرف متعلق بأعثرنا أي : أعثرنا عليهم وقت التنازع والاختلاف بين أولئك الذين أعثرهم الله في أمر البعث، وقيل : في أمر أصحاب الكهف في قدر مكثهم، وفي عددهم، وفيما يفعلونه بعد أن اطلعوا عليهم ﴿فَقَالُوا ابنوا عَلَيْهِمْ بنيانا﴾ لئلا يتطرق الناس إليهم، وذلك أن الملك وأصحابه لما وقفوا عليهم وهم أحياء أمات الله الفتية، فقال بعضهم : ابنوا عليهم بنياناً يسترهم عن أعين الناس. ثم قال سبحانه حاكياً لقول المتنازعين فيهم وفي عددهم، وفي مدّة لبثهم، وفي نحو ذلك مما يتعلق بهم ﴿ربُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ من هؤلاء المتنازعين فيهم، قالوا ذلك تفويضاً للعلم إلى الله سبحانه، وقيل : هو من كلام الله سبحانه، ردّاً لقول المتنازعين فيهم، أي : دعوا ما أنتم فيه من التنازع، فإني أعلم بهم منكم، وقيل : إن الظرف في ﴿إِذْ يتنازعون﴾ متعلق بمحذوف هو أذكر، ويؤيده أن الإعثار ليس في زمن التنازع بل قبله، ويمكن أن يقال : إن أولئك القوم ما زالوا متنازعين فيما بينهم قرناً بعد قرن، منذ أووا إلى الكهف إلى وقت الإعثار، ويؤيد ذلك أن خبرهم كان مكتوباً على باب الغار، كتبه بعض المعاصرين لهم من المؤمنين الذين كانوا يخفون إيمانهم كما قاله المفسرون ﴿قَالَ الذين غَلَبُوا على أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ ذكر اتخاذ المسجد يشعر بأن هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم هم المسلمون، وقيل : هم أهل السلطان، والملك من القوم المذكورين فإنهم الذين يغلبون على أمر من عداهم، والأوّل أولى. قال الزجاج : هذا يدل على أنه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث والنشور.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقرأ ابن عباس والحسن وأبو رجاء وقتادة بالتاء الفوقية وإسكان الكاف على أنه نهي للنبيّ ﷺ أن يجعل لله شريكاً في حكمه، ورويت هذه القراءة عن ابن عامر. وقرأ مجاهد بالتحتية والجزم. قال يعقوب : لا أعرف وجهها، والمراد بحكم الله : ما يقضيه، أو علم الغيب. والأوّل أولى. ويدخل علم الغيب في ذلك دخولاً أوّلياً، فإن علمه سبحانه من جملة قضائه.
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ قال : أطلعنا. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿قَالَ الذين غَلَبُوا على أَمْرِهِمْ﴾ قال : الأمراء، أو قال : السلاطين. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله :﴿سَيَقُولُونَ ثلاثة﴾ قال : اليهود ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ﴾ قال : النصارى. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿رَجْماً بالغيب﴾ قال : قذفاً بالظنّ. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله :﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ قال : أنا من القليل كانوا سبعة. وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال السيوطي بسند صحيح في قوله :﴿ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ قال : أنا من أولئك القليل كانوا سبعة، ثم ذكر أسماءهم. وحكاه ابن كثير عن ابن عباس في رواية قتادة وعطاء وعكرمة، ثم قال : فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس : أنهم كانوا سبعة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله :﴿فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ﴾ يقول : حسبك ما قصصت عليك. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله :﴿وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ منْهُمْ أَحَداً﴾ قال : اليهود. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن عباس في قوله :﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيء﴾ الآية قال : إذا نسيت أن تقول لشيء إني أفعله فنسيت أن تقول : إن شاء الله، فقل إذا ذكرت : إن شاء الله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه عنه أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة، ثم قرأ :﴿واذكر ربَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال : هي خاصة لرسول الله ﷺ وليس لأحد أن يستثني إلا في صلة يمين. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر قال : كل استثناء موصول فلا حنث على صاحبه، وإذا كان غير موصول فهو حانث. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :( قال سليمان بن داود : لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة - وفي رواية : تسعين - تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك : قل إن شاء الله، فلم يقل، فطاف فلم يلد منهنّ إلا امرأة واحدة نصف إنسان، قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لو قال : إن شاء الله لم يحنث، وكان دركاً لحاجته ). وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن عكرمة ﴿إِذَا نَسِيتَ﴾ قال : إذا غضبت. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن الحسن ﴿إِذَا نَسِيتَ﴾ قال : إذا لم تقل إن شاء الله. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال :( إن الرجل ليفسر الآية يرى أنها كذلك فيهوي أبعد ما بين السماء والأرض، ثم تلا ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ الآية، ثم قال : كم لبث القوم ؟ قالوا : ثلاثمائة وتسع سنين، قال : لو كانوا لبثوا كذلك لم يقل الله ﴿قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ ولكنه حكى مقالة القوم فقال :﴿سَيَقُولُونَ ثلاثة﴾ إلى قوله :﴿رَجْماً بالغيب﴾ فأخبر أنهم لا يعلمون، ثم قال : سيقولون ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثلاثمائة سِنِينَ وازدادوا تِسْعًا﴾. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في حرف ابن مسعود، وقالوا :﴿ولبثوا في كهفهم﴾ الآية، يعني : إنما قاله الناس ألا ترى أنه قال :﴿قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾. وأخرج ابن مردويه عن الضحاك عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية :﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثلاثمائة﴾ قيل : يا رسول الله أياماً أم أشهراً أم سنين ؟ فأنزل الله ﴿سِنِينَ وازدادوا تِسْعًا﴾. وأخرجه ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك بدون ذكر ابن عباس. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ قال : الله يقوله.
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ قال : أطلعنا. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿قَالَ الذين غَلَبُوا على أَمْرِهِمْ﴾ قال : الأمراء، أو قال : السلاطين. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله :﴿سَيَقُولُونَ ثلاثة﴾ قال : اليهود ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ﴾ قال : النصارى. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿رَجْماً بالغيب﴾ قال : قذفاً بالظنّ. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله :﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ قال : أنا من القليل كانوا سبعة. وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال السيوطي بسند صحيح في قوله :﴿ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ قال : أنا من أولئك القليل كانوا سبعة، ثم ذكر أسماءهم. وحكاه ابن كثير عن ابن عباس في رواية قتادة وعطاء وعكرمة، ثم قال : فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس : أنهم كانوا سبعة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله :﴿فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ﴾ يقول : حسبك ما قصصت عليك. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله :﴿وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ منْهُمْ أَحَداً﴾ قال : اليهود. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن عباس في قوله :﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيء﴾ الآية قال : إذا نسيت أن تقول لشيء إني أفعله فنسيت أن تقول : إن شاء الله، فقل إذا ذكرت : إن شاء الله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه عنه أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة، ثم قرأ :﴿واذكر ربَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال : هي خاصة لرسول الله ﷺ وليس لأحد أن يستثني إلا في صلة يمين. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر قال : كل استثناء موصول فلا حنث على صاحبه، وإذا كان غير موصول فهو حانث. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :( قال سليمان بن داود : لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة - وفي رواية : تسعين - تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك : قل إن شاء الله، فلم يقل، فطاف فلم يلد منهنّ إلا امرأة واحدة نصف إنسان، قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لو قال : إن شاء الله لم يحنث، وكان دركاً لحاجته ). وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن عكرمة ﴿إِذَا نَسِيتَ﴾ قال : إذا غضبت. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن الحسن ﴿إِذَا نَسِيتَ﴾ قال : إذا لم تقل إن شاء الله. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال :( إن الرجل ليفسر الآية يرى أنها كذلك فيهوي أبعد ما بين السماء والأرض، ثم تلا ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ الآية، ثم قال : كم لبث القوم ؟ قالوا : ثلاثمائة وتسع سنين، قال : لو كانوا لبثوا كذلك لم يقل الله ﴿قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ ولكنه حكى مقالة القوم فقال :﴿سَيَقُولُونَ ثلاثة﴾ إلى قوله :﴿رَجْماً بالغيب﴾ فأخبر أنهم لا يعلمون، ثم قال : سيقولون ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثلاثمائة سِنِينَ وازدادوا تِسْعًا﴾. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في حرف ابن مسعود، وقالوا :﴿ولبثوا في كهفهم﴾ الآية، يعني : إنما قاله الناس ألا ترى أنه قال :﴿قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾. وأخرج ابن مردويه عن الضحاك عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية :﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثلاثمائة﴾ قيل : يا رسول الله أياماً أم أشهراً أم سنين ؟ فأنزل الله ﴿سِنِينَ وازدادوا تِسْعًا﴾. وأخرجه ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك بدون ذكر ابن عباس. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ قال : الله يقوله.