زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ﴾ قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم : الولاية بفتح الواو و﴿لِلَّهِ الْحَقّ﴾ خفضاً. وقرأ حمزة :" الولاية " بكسر الواو، و " لله الحق " بكسر القاف أيضاً. وقرأ أبو عمرو بفتح الواو، ورفع " الحق "، ووافقه الكسائي في رفع القاف، لكنه كسر " الولاية "، قال الزجاج : معنى الولاية في مثل تلك الحال : تبيين نصرة ولي الله. وقال غيره : هذا الكلام عائد إلى ما قبل قصة الرجلين. فأما من فتح واو " الولاية " فإنه أراد الموالاة والنصرة، ومن كسر، أراد السلطان والملك على ما شرحناه في آخر الأنفال :[ ٧٢ ]. فعلى قراءة الفتح، في معنى الكلام قولان :
أحدهما : أنهم يتولون الله تعالى في القيامة، ويؤمنون به، ويتبرؤون مما كانوا يعبدون، قاله ابن قتيبة.
والثاني : هنالك يتولى الله أمر الخلائق، فينصر المؤمنين ويخذل الكافرين. وعلى قراءة الكسر، يكون المعنى : هنالك السلطان لله. قال أبو علي : من كسر قاف " الحق "، جعله من وصف الله عز وجل، ومن رفعه جعله صفة للولاية.
فإن قيل : لم نعتت الولاية وهي مؤنثة بالحق وهو مصدر ؟ فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري.
أحدهما : أن تأنيثها ليس حقيقياً، فحملت على معنى النصر ؛ والتقدير : هنالك النصر لله الحق، كما حملت الصيحة على معنى الصياح في قوله :﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧].
والثاني : أن الحق مصدر يستوي في لفظه المذكر والمؤنث والاثنان والجمع، فيقال : قولك حق، وكلمتك حق، وأقوالكم حق. ويجوز ارتفاع الحق على المدح للولاية، وعلى المدح لله تعالى بإضمار " هو ".
قوله تعالى :﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ أي : هو أفضل ثواباً ممن يرجى ثوابه، وهذا على تقدير أنه لو كان غيره يثيب لكان ثوابه أفضل.
قوله تعالى :﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي :" عقبا " ً مضمومة القاف. وقرأ عاصم، وحمزة :" عقبا " ساكنة القاف. قال أبو علي : ما كان على " فعل " جاز تخفيفه، كالعنق، والطنب. قال أبو عبيدة : العقب، والعقب، والعقبى، والعاقبة، بمعنى، وهي الآخرة، والمعنى : عاقبة طاعة الله خير من عاقبة طاعة غيره.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى