فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
وقوله :﴿وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال﴾ قرأ الحسن وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر :«تسير » بمثناة فوقية مضمومة وفتح الياء التحتية على البناء للمفعول، ورفع الجبال على النيابة عن الفاعل. وقرأ ابن محيصن ومجاهد ( تسير ) بفتح التاء الفوقية والتخفيف على أن الجبال فاعل. وقرأ الباقون ( نسير ) بالنون على أن الفاعل هو الله سبحانه والجبال منصوبة على المفعولية، ويناسب القراءة الأولى قوله تعالى :﴿وَإِذَا الجبال سُيّرَتْ﴾ [التكوير: ٣]، ويناسب القراءة الثانية قوله تعالى :﴿وَتَسِيرُ الجبال سَيْراً﴾ [الطور: ١٠]، واختار القراءة الثالثة أبو عبيدة لأنها المناسبة لقوله :﴿وحشرناهم﴾ قال بعض النحويين : التقدير : والباقيات الصالحات خير عند ربك يوم نسيّر الجبال، وقيل : العامل في الظرف فعل محذوف، والتقدير : واذكر يوم نسيّر الجبال، ومعنى تسيير الجبال : إزالتها من أماكنها وتسييرها كما تسير السحاب، ومنه قوله تعالى :﴿وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب﴾ [النمل: ٨٨]، ثم تعود إلى الأرض بعد أن جعلها الله كما قال :﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً﴾ [ الواقعة : ٥ ٦ ]. والخطاب في قوله :﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] لرسول الله ﷺ، أو لكل من يصلح للرؤية، ومعنى بروزها ظهورها وزوال ما يسترها من الجبال والشجر والبنيان. وقيل : المعنى ببروزها : بروز ما فيها من الكنوز والأموات كما قال سبحانه :﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٤]، وقال :﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢]. فيكون المعنى : وترى الأرض بارزاً ما في جوفها ﴿وحشرناهم﴾ أي : الخلائق، ومعنى الحشر الجمع أي : جمعناهم إلى الموقف من كل مكان ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ فلم نترك منهم أحداً، يقال : غادره وأغدره إذا تركه، قال عنترة :
غادرته متعفراً أوصالهوالقوم بين مجرّح ومجندل
أي : تركته، ومنه الغدر، لأن الغادر ترك الوفاء للمغدور، قالوا : وإنما سمي الغدير غديراً، لأن الماء ذهب وتركه، ومنه غدائر المرأة لأنها تجعلها خلفها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ قال : ليس عليها بناء ولا شجر. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً﴾ قال : الصغيرة التبسم، والكبيرة : الضحك. وزاد ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم عنه قال : الصغيرة : التبسم بالاستهزاء بالمؤمنين، والكبيرة : القهقهة بذلك. وأقول : صغيرة وكبيرة نكرتان في سياق النفي، فيدخل تحت ذلك كل ذنب يتصف بصغر، وكل ذنب يتصف بالكبر، فلا يبقى من الذنوب شيء إلا أحصاه الله وما كان من الذنوب ملتبساً بين كونه صغيراً أو كبيراً، فذلك إنما هو بالنسبة إلى العباد لا بالنسبة إلى الله سبحانه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال : إن من الملائكة قبيلة يقال لهم : الجنّ، فكان إبليس منهم، وكان يوسوس ما بين السماء والأرض، فعصى فسخط الله عليه فمسخه الله شيطاناً رجيماً. وأخرج ابن جرير عنه في قوله :﴿كَانَ مِنَ الجن﴾ قال : كان خازن الجنان، فسمي بالجانّ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً قال : إن إبليس كان من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازناً على الجنان. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن قال : قاتل الله أقواماً زعموا أن إبليس كان من الملائكة، والله يقول كان من الجن. وأخرج ابن جرير وابن الأنباري عنه أنه قال : ما كان الملائكة طرفة عين، إنه لأصل الجنّ كما أن آدم أصل الإنس. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله :﴿مَا أَشْهَدتهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض﴾ قال : يقول : ما أشهدت الشياطين الذين اتخذتم معي هذا ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾ قال : الشياطين عضداً، قال : ولا اتخذتهم عضداً على شيء عضدوني عليه فأعانوني. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله :﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم موْبِقاً﴾ يقول : مهلكاً. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج أبو عبيد، وهناد، وابن المنذر عنه قال : وادٍ في جهنم. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن أنس في الآية قال : وادٍ في جهنم من قيح ودم. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عمرو قال : هو وادٍ عميق في النار فرق الله به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة، وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله :﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ موَاقِعُوهَا﴾ قال : علموا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى