البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
العضد العضو من الإنسان وغيره معروف وفيه لغتان، فتح العين وضم الضاد وإسكانها وفتحها وضم العين والضاد وإسكان الضاد، ويستعمل في العون والنصير.
قال الزجاج : والإعضاد التقوّي وطلب المعونة يقال : اعتضدت بفلان استعنت به.
وقرأ الجمهور ﴿ما أشهدتهم﴾ بتاء المتكلم.
وقرأ أبو جعفر وشيبة والسبختياني وعون العقيلي وابن مقسم : ما أشهدناهم بنون العظمة، والظاهر عود ضمير المفعول في ﴿أشهدتهم﴾ على إبليس وذريته أي لم أشاورهم في ﴿خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم﴾ بل خلقتهم على ما أردت، ولهذا قال ﴿وما كنت متخذ المضلين عضداً﴾.
وقال الزمخشري : يعني إنكم اتخذتم شركاء لي في العبادة وإنما كانوا يكونون شركاء فيها لو كانوا شركاء في الإلهية فنفي مشاركتهم في الإلهية بقوله :﴿ما أشهدتهم خلق السموات والأرض﴾ لا أعتضد بهم في خلقها ﴿ولا خلق أنفسهم﴾ أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله
﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ وما كنت متخذهم أعواناً فوضع ﴿المضلين﴾ موضع الضمير ذماً لهم بالإضلال فإذا لم يكونوا لي ﴿عضداً﴾ في الخلق فما لكم تتخذونهم شركاء في العبادة انتهى.
وقيل : يعود على الملائكة والمعنى أنه ما أشهدهم ذلك ولا استعان بهم في خلقها بل خلقتهم ليطيعوني ويعبدوني فكيف يعبدونهم.
وقيل : يعود على الكفار.
وقيل : على جميع الخلق.
وقال ابن عطية : الضمير في ﴿أشهدتهم﴾ عائد على الكفار وعلى الناس بالجملة، فتتضمن الآية الرد على طوائف من المنجمين وأهل الطبائع والمتحكمين والأطباء وسواهم من كل من يتخرص في هذه الأشياء، وقاله عبد الحق الصقلي وتأول هذا التأويل في هذه الآية وأنها رادة على هذه الطوائف، وذكر هذا بعض الأصوليين انتهى.
وقرأ أبو جعفر والجحدري والحسن وشيبة ﴿وما كنت﴾ بفتح التاء خطاباً للرسول ﷺ.
قال الزمخشري : والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم، وما ينبغي لك أن تعتز بهم انتهى.
والذي أقوله أن المعنى إخبار من الله عن نبيه وخطاب منه تعالى له في انتفاء كينونته متخذ عضد من المضلين، بل هو مذ كان ووجد عليه السلام في غاية التبرّي منهم والبعد عنهم لتعلم أمته أنه لم يزل محفوظاً من أول نشأته لم يعتضد بمضل ولا مال إليه ﷺ.
وقرأ عليّ بن أبي طالب متخذاً المضلين أعمل اسم الفاعل.
وقرأ عيسى ﴿عضداً﴾ بسكون الضاد خفف فعلاً كما قالوا : رجل وسبع في رجل وسبع وهي لغة عن تميم، وعنه أيضاً بفتحتين.
وقرأ شيبة وأبو عمر وفي رواية هارون وخارجة والخفاف ﴿عضداً﴾ بضمتين، وعن الحسن ﴿عضداً﴾ بفتحتين وعنه أيضاً بضمتين.
وقرأ الضحاك ﴿عضداً﴾ بكسر العين وفتح الضاد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى