التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على سعة رحمته، وعظيم فضله فقال :﴿وَرَبُّكَ الغفور ذُو الرحمة لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً﴾.
أى : وربك - أيها الرسول الكريم - هو صاحب المغفرة الكثيرة، وصاحب الرحمة التى وسعت كل شئ. لو يؤاخذ الناس بما كسبوا من الذنوب والمعاصى، لعجل لهم العذاب بسبب ما يرتكبونه من كفر وآثام. ولكنه - سبحانه - لم يعجل لهم العذاب رحمة منه وحلما.
وجملة ﴿بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ..﴾ معطوفة على مقدر، فكأنه - سبحانه - قال : لكنه - سبحانه - لم يؤاخذهم، بل جعل وقتا معينا لعذابهم، لن يجدوا من دون هذا العذاب موئلا.
أى ملجأ يلتجئون إليه، أو مكانا يعتصمون به.
فالموئل : اسم مكان. يقال : وَأَلَ فلان إلى مكان كذا يَئِل وَأْلاً.. إذا لجأ إليه ليعتصم به من ضر متوقع.
فالآية الكريمة تبين أن الله - تعالى - بفضله وكرمه لا يعاجل الناس. بالعقاب، ولكنه - عز وجل - ليس غافلا عن أعمالهم، بل يؤخرهم إلى الوقت الذى تقتضيه حكمته، لكى يعاقبهم على ما ارتكبوه من ذنوب وآثام.
وفى معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى - :﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ ولكن يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً﴾ وقوله - تعالى - :﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى