جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
وقوله : فَوَجَدَا عَبْدا مِنْ عبادِنا آتَيْناه رحْمَةً مِنْ عِنْدِنا يقول : وهبنا له رحمة من عندنا وَعَلّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْما يقول : وعلمناه من عندنا أيضا علما. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة مِنْ لَدُنّا عِلْما : أي من عندنا علما.
وكان سبب سفر سُئل : هل في الأرض أحد أعلم منك ؟ فقال : لا، أو حدّثته نفسه بذلك، فكره ذلك له، فأراد الله تعريفه أن من عباده في الأرض من هو أعلم منه، وأنه لم يكن له أن يحتم على ما لا علم له به، ولكن كان ينبغي له أن يكل إلى عالمه.
وقال آخرون : بل كان سبب ذلك أنه سأل الله جلّ ثناؤه أن يدله على عالم يزداد من علمه إلى علم نفسه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : سأل موسى ربه وقال : ربّ أيّ عبادك أحبّ إليك ؟ قال : الذي يذكرني ولا ينساني قال : فأيّ عبادك أقضى ؟ قال : الذي يقضي بالحقّ ولا يتبع الهوى قال : أي ربّ أيّ عبادك أعلم ؟ قال : الذي يبتغي علم الناس إلى علم نفسه، عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هُدَى، أو تردّه عن رَدَى قال : ربّ فهل في الأرض أحدٌ ؟ قال : نعم قال : ربّ، فمن هو ؟ قال : الخضر قال : وأين أطلبه ؟ قال : على الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت قال : فخرج موسى يطلبه، حتى كان ما ذكر اللّهُ، وانتهى إليه موسى عند الصخرة، فسلم كلّ واحد منهما على صاحبه، فقال له موسى : إني أريد أن تستصحبني، قال : إنك لن تطيق صحبتي، قال : بلى، قال : فإن صحبتني «فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرا فانْطَلَقا حتى إذَا رَكِبا فِي السّفِينَةِ خَرَقَها قال أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرا قالَ أَلَمْ أقُلْ إنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرا قال لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أمْرِي عُسْرا فانْطَلَقَا حتى إذَا لَقِيا غُلاما فَقَتَلَهُ قالَ أقَتَلْتَ نَفْسا زَكيّةً بغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جئْتَ شَيْئا نُكْرا ». . . إلى قوله : لاتّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرا قال : فكان قول موسى في الجدار لنفسه، ولطلب شيء من الدنيا، وكان قوله في السفينة وفي الغلام لله، قالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سأُنَبّئُكَ بتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرا فأخبره بما قال أما السفينة وأما الغلام وأما الجدار، قال : فسار به في البحر حتى انتهى إلى مجمع البحور، وليس في الأرض مكان أكثر ماء منه، قال : وبعث ربك الخُطّاف فجعل يستقي منه بمنقاره، فقيل لموسى : كم ترى هذا الخطاف رَزَأ من هذا الماء ؟ قال : ما أقلّ ما رَزَأ قال : يا موسى فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء وكان موسى قد حدّث نفسه أنه ليس أحد أعلم منه، أو تكلم به، فمن ثَم أُمِرَ أن يأتي الخضر.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : خطب موسى بني إسرائيل، فقال : ما أحد أعلم بالله وبأمره مني، فأوحى الله إليه أن يأتي هذا الرجل.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة أنه قيل له : إن آية لقيك إياه أن تنسى بعض متاعك، فخرج هو وفتاه يوشع بن نون، وتزوّدا حوتا مملوحا، حتى إذا كانا حيث شاء الله، ردّ الله إلى الحوت روحه، فسرب في البحر، فاتخذ الحوت طريقه سربا في البحر، فسرب فيه فَلَمّا جاوَزَا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَدَاءنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هَذا نَصَبا. . . حتى بلغ واتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَبا فكان موسى اتخذ سبيله في البحر عجبا، فكان يعجب من سرب الحوت.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : لما اقتص موسى أثر الحوت انتهى إلى رجل، راقد قد سجى عليه ثوبه فسلم عليه موسى فكشف الرجل عن وجهه الثوب وردّ عليه السلام وقال : من أنت ؟ قال : موسى، قال : صاحب بني إسرائيل ؟ قال : نعم، قال : أوَ ما كان لك في بني إسرائيل شغل ؟ قال : بلى، ولكن أُمرت أن آتيك وأصحبك، قال : إنك لن تستطيع معي صبرا، كما قصّ الله، حتى بلغ فلما رَكِبا فِي السَفينَةِ خَرَقَها صاحب موسى قالَ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرا يقول : نُكرا قالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمعا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أمْرِي عُسْرا فانْطَلَقَا حتى إذَا لَقِيا غُلاما فَقَتَلَهُ، قالَ أقَتَلْتَ نَفْسا زَكِيّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يحيى بن آدم، قال : حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، قال : قلت لابن عباس : إن نوفا يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى، فقال : كذب عدوّ الله. حدثنا أبيّ بن كعب، عن النبيّ ﷺ قال :«إنّ مُوسَى قامَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ خَطِيبا فَقِيلَ : أيّ النّاسُ أعْلَمُ ؟ فَقالَ : أنا، فعَتَبَ اللّهُ عَلَيْهِ حِينَ لَمْ يَرُدّ العِلْمَ إلَيْهِ، فقالَ : بَلى عَبْدٌ لي عِنْدَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، فَقالَ : يا رَبّ كَيْفَ بِهِ ؟ فَقِيلَ : تَأْخُذُ حُوتا، فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ، ثُمّ قالَ لِفُتاهُ : إذَا فَقَدْتَ هَذَا الحُوتَ فَأَخْبِرْنِي، فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ حتى أتَيا صَخْرَةً، فَرَقَدَ مُوسَى، فاضْطَرَب الحُوتُ فِي المِكْتَلِ، فَخَرَجَ فَوَقَعَ فِي البَحْرِ، فأمْسَكَ اللّهُ عَنْهُ جِرْيَةَ المَاءِ، فَصَارَ مِثْلَ الطّاقِ، فَصَارِتْ للْحُوتِ سَرَبا وكانَ لَهُما عَجَبا. ثُمّ انْطَلَقا، فَلَمّا كانَ حِينَ الغَدِ، قالَ مُوسَى لَفَتاهُ : آتِنا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هَذَا نَصَبا، قالَ : وَلمْ يَجِدْ مُوسَى النّصَبَ حتى جاوَزَ حَيْثُ أمَرَهُ اللّهُ قالَ : فَقالَ : أرَأَيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصّخْرَةِ فإنّي نَسِيتُ الحُوتَ، وَما أنْسانِيهُ إلاّ الشّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ، واتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَبا، قالَ : فَقالَ : ذلكَ ما كُنّا نَبْغِ، فارْتَدّا عَلى آثارِهما قَصَصا، قالَ : يَقُصّانِ آثارَهما، قالَ : فَأَتَيَا الصّخْرَةَ، فإذَا رَجُلٌ نائمٌ مسجي بِثَوْبِهِ، فَسَلّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقالَ : وأنّي بأرْضِنَا السّلامُ ؟ فَقالَ : أنا مُوسَى، قالَ : مُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ ؟ قالَ : نَعَمْ، قالَ : يا مُوسَى، إنّي عَلى عِلْمٍ مِنْ عِلْمٍ اللّهِ، عَلّمَنِيَهِ اللّهُ لا تعْلَمُهُ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِهِ عَلّمَكَهُ لا أعْلَمُهُ، قالَ : فإنّي أتّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلّمَنِي مِمّا عُلّمْتَ رُشْدا، قالَ : فإنِ اتّبِعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرا. فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ، فَعُرِفَ الخَضِرُ، فَحُمِل بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلى حَرْفِها فَنَقَرَ، أوْ فَنَقَدَ فِي المَاءِ، فَقالَ الخَضِرُ لِمُوسَى : ما نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللّهِ إلاّ مِقْدَارَ ما نَقَرَ أوْ نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ مِنَ البَحْرِ ». أبو جعفر الطبري يشكّ، وهو في كتابه نَقَر، قالَ :«فَبَيْنما هُوَ إذْ لَمْ يَفْجَأهُ مُوسَى إلاّ وَهُوَ يَتِدُ وَتِدا أوْ يَنْزِعُ تَحْتا مِنْها، فَقالَ لَهُ مُوسَى : حُمِلْنا بِغَيرِ نَوْلٍ وَتخْرِقُها لِتُغْرِقَ أهْلَها ؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرا، قالَ : أَلمْ أقُل إنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعَيَ صَبْرا، قالَ : لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ، قالَ : وكانَتِ الأُوَلى مِنْ مُوسَى نِسْيانا قالَ : ثُمّ خَرَجا فانْطَلَقَا يَمْشيانِ، فَأَبْصَرَا غُلاما يَلْعَبُ مَعَ الغلْمانِ، فَأخَذَ برأْسِهِ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى : أقَتَلْتَ نَفْسا زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا نُكْرا، قالَ : أَلْمْ أقُلْ لَكَ إنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعَي صَبْرا ؟ قالَ : إنْ سألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنّي عُذْرا. قالَ : فانْطَلَقّ حتى إذَا أتَيا أهْلَ قَرْيَةِ اسْتَطْعَما أهْلَها، فَلَمْ يَجدَا أحَدا يُطْعِمُهُمْ وَلا يَسْقِيهِمْ، فَوَجَدَا فِيها جِدَارا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضّ، فأقاَمهُ بيَدِهِ، قالَ : مَسَحَه بِيَدِهِ فَقالَ لَهُ مُوسَى : لَمْ يُضَيّفُونا ولَمْ يُنْزِلُونا، لَوْ شِئْتَ لاتّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرا، قالَ : هَذَا فِرَقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ » فقال رسول الله ﷺ :«لَوَددْتُ أنّهُ كانَ صَبَرَ حتى يَقُصّ عَلَيْنا قَصَصَهُمْ ».
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثنا ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، قال : جلست فأسنَدَ ابن عباس وعنده نفر من أهل الكتاب، فقال بعضهم : يا أبا العباس، إن نوفا ابن امرأة كعب يزعم عن كعب، أن موسى النبيّ الذي طلب العالم، إنما هو موسى بن ميشا. قال سعيد : قال ابن عباس : أنوف يقول هذا ؟ قال سعيد : فقلت له نعم، أنا سمعت نوفا يقول ذلك، قال : أنت سمعته يا سعيد ؟ قال : قلت : نعم، قال : كذب نوف ثم قال ابن عباس : حدثني أبيّ بن كعب أن رسول الله ﷺ قال :«إنّ مُوسَى هُوَ نَبِيّ بَنِي إسْرَائِيلَ سأَلَ رَبّهُ فَقالَ : أيْ رَبّ إنْ كانَ فِي عِبادِكَ أحَدٌ هُوَ أعْلَمُ مِنّي فدللني عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ : نَعَمْ في عِبادِي مَنْ هُوَ أعْلَمُ مِنْكَ، ثُمّ نَعَتَ لَهُ مَكانَهُ، وأذِنَ لَهُ فِي لُقِيّهِ فخَرَجَ مُوسَى مَعَهُ فَتاه وَمَعَهُ حُوتٌ مَلْيحٌ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ : إذَا حَيِيَ هَذَا الحُوتُ فِي مَكانِ فصاحبُكَ هُنالكَ وَقَدْ أدْرَكْتَ حاجَتَكَ فَخَرَجَ مُوسَى وَمَعَهُ فَتَاهُ، وَمَعَهُ ذلكَ الحُوتُ يَحْمِلانِهِ، فَسارَ حتى جَهَدَهُ السّيْرُ، وَانْتَهَى إلى الصّخْرَةِ وَإلى ذلكَ المَاءِ، ماءِ الحَياةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ خَلَدَ، وَلا يُقاربُهُ شَيْءٌ مَيّتٌ إلاّ حَيِيَ فَلَمّا نَزَلا، وَمَسّ الحُوتَ المَاءُ حَيِيَ، فاتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبا فانْطَلَقا، فَلَمّا جاوَزَا مُنْقَلَبَهُ قالَ مُوسَى : آتِنا غَدَاءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هَذَا نَصَبا. قالَ الفَتى وَذَكَرَ : أرَأَيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصّخْرَةِ فإنّي نَسِيتُ الحُوتَ وَما أنْسانِيهُ إلاّ الشّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ. واتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَبا » قال ابن عباس : فظهر موسى على الصخرة حين انتهيا إليها، فإذا رجل متلفف في كساء له، فسلم موسى، فردّ عليه العالم، ثم قال
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة مِنْ لَدُنّا عِلْما : أي من عندنا علما.
وكان سبب سفر سُئل : هل في الأرض أحد أعلم منك ؟ فقال : لا، أو حدّثته نفسه بذلك، فكره ذلك له، فأراد الله تعريفه أن من عباده في الأرض من هو أعلم منه، وأنه لم يكن له أن يحتم على ما لا علم له به، ولكن كان ينبغي له أن يكل إلى عالمه.
وقال آخرون : بل كان سبب ذلك أنه سأل الله جلّ ثناؤه أن يدله على عالم يزداد من علمه إلى علم نفسه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : سأل موسى ربه وقال : ربّ أيّ عبادك أحبّ إليك ؟ قال : الذي يذكرني ولا ينساني قال : فأيّ عبادك أقضى ؟ قال : الذي يقضي بالحقّ ولا يتبع الهوى قال : أي ربّ أيّ عبادك أعلم ؟ قال : الذي يبتغي علم الناس إلى علم نفسه، عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هُدَى، أو تردّه عن رَدَى قال : ربّ فهل في الأرض أحدٌ ؟ قال : نعم قال : ربّ، فمن هو ؟ قال : الخضر قال : وأين أطلبه ؟ قال : على الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت قال : فخرج موسى يطلبه، حتى كان ما ذكر اللّهُ، وانتهى إليه موسى عند الصخرة، فسلم كلّ واحد منهما على صاحبه، فقال له موسى : إني أريد أن تستصحبني، قال : إنك لن تطيق صحبتي، قال : بلى، قال : فإن صحبتني «فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرا فانْطَلَقا حتى إذَا رَكِبا فِي السّفِينَةِ خَرَقَها قال أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرا قالَ أَلَمْ أقُلْ إنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرا قال لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أمْرِي عُسْرا فانْطَلَقَا حتى إذَا لَقِيا غُلاما فَقَتَلَهُ قالَ أقَتَلْتَ نَفْسا زَكيّةً بغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جئْتَ شَيْئا نُكْرا ». . . إلى قوله : لاتّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرا قال : فكان قول موسى في الجدار لنفسه، ولطلب شيء من الدنيا، وكان قوله في السفينة وفي الغلام لله، قالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سأُنَبّئُكَ بتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرا فأخبره بما قال أما السفينة وأما الغلام وأما الجدار، قال : فسار به في البحر حتى انتهى إلى مجمع البحور، وليس في الأرض مكان أكثر ماء منه، قال : وبعث ربك الخُطّاف فجعل يستقي منه بمنقاره، فقيل لموسى : كم ترى هذا الخطاف رَزَأ من هذا الماء ؟ قال : ما أقلّ ما رَزَأ قال : يا موسى فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء وكان موسى قد حدّث نفسه أنه ليس أحد أعلم منه، أو تكلم به، فمن ثَم أُمِرَ أن يأتي الخضر.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : خطب موسى بني إسرائيل، فقال : ما أحد أعلم بالله وبأمره مني، فأوحى الله إليه أن يأتي هذا الرجل.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة أنه قيل له : إن آية لقيك إياه أن تنسى بعض متاعك، فخرج هو وفتاه يوشع بن نون، وتزوّدا حوتا مملوحا، حتى إذا كانا حيث شاء الله، ردّ الله إلى الحوت روحه، فسرب في البحر، فاتخذ الحوت طريقه سربا في البحر، فسرب فيه فَلَمّا جاوَزَا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَدَاءنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هَذا نَصَبا. . . حتى بلغ واتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَبا فكان موسى اتخذ سبيله في البحر عجبا، فكان يعجب من سرب الحوت.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : لما اقتص موسى أثر الحوت انتهى إلى رجل، راقد قد سجى عليه ثوبه فسلم عليه موسى فكشف الرجل عن وجهه الثوب وردّ عليه السلام وقال : من أنت ؟ قال : موسى، قال : صاحب بني إسرائيل ؟ قال : نعم، قال : أوَ ما كان لك في بني إسرائيل شغل ؟ قال : بلى، ولكن أُمرت أن آتيك وأصحبك، قال : إنك لن تستطيع معي صبرا، كما قصّ الله، حتى بلغ فلما رَكِبا فِي السَفينَةِ خَرَقَها صاحب موسى قالَ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرا يقول : نُكرا قالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمعا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أمْرِي عُسْرا فانْطَلَقَا حتى إذَا لَقِيا غُلاما فَقَتَلَهُ، قالَ أقَتَلْتَ نَفْسا زَكِيّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يحيى بن آدم، قال : حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، قال : قلت لابن عباس : إن نوفا يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى، فقال : كذب عدوّ الله. حدثنا أبيّ بن كعب، عن النبيّ ﷺ قال :«إنّ مُوسَى قامَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ خَطِيبا فَقِيلَ : أيّ النّاسُ أعْلَمُ ؟ فَقالَ : أنا، فعَتَبَ اللّهُ عَلَيْهِ حِينَ لَمْ يَرُدّ العِلْمَ إلَيْهِ، فقالَ : بَلى عَبْدٌ لي عِنْدَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، فَقالَ : يا رَبّ كَيْفَ بِهِ ؟ فَقِيلَ : تَأْخُذُ حُوتا، فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ، ثُمّ قالَ لِفُتاهُ : إذَا فَقَدْتَ هَذَا الحُوتَ فَأَخْبِرْنِي، فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ حتى أتَيا صَخْرَةً، فَرَقَدَ مُوسَى، فاضْطَرَب الحُوتُ فِي المِكْتَلِ، فَخَرَجَ فَوَقَعَ فِي البَحْرِ، فأمْسَكَ اللّهُ عَنْهُ جِرْيَةَ المَاءِ، فَصَارَ مِثْلَ الطّاقِ، فَصَارِتْ للْحُوتِ سَرَبا وكانَ لَهُما عَجَبا. ثُمّ انْطَلَقا، فَلَمّا كانَ حِينَ الغَدِ، قالَ مُوسَى لَفَتاهُ : آتِنا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هَذَا نَصَبا، قالَ : وَلمْ يَجِدْ مُوسَى النّصَبَ حتى جاوَزَ حَيْثُ أمَرَهُ اللّهُ قالَ : فَقالَ : أرَأَيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصّخْرَةِ فإنّي نَسِيتُ الحُوتَ، وَما أنْسانِيهُ إلاّ الشّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ، واتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَبا، قالَ : فَقالَ : ذلكَ ما كُنّا نَبْغِ، فارْتَدّا عَلى آثارِهما قَصَصا، قالَ : يَقُصّانِ آثارَهما، قالَ : فَأَتَيَا الصّخْرَةَ، فإذَا رَجُلٌ نائمٌ مسجي بِثَوْبِهِ، فَسَلّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقالَ : وأنّي بأرْضِنَا السّلامُ ؟ فَقالَ : أنا مُوسَى، قالَ : مُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ ؟ قالَ : نَعَمْ، قالَ : يا مُوسَى، إنّي عَلى عِلْمٍ مِنْ عِلْمٍ اللّهِ، عَلّمَنِيَهِ اللّهُ لا تعْلَمُهُ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِهِ عَلّمَكَهُ لا أعْلَمُهُ، قالَ : فإنّي أتّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلّمَنِي مِمّا عُلّمْتَ رُشْدا، قالَ : فإنِ اتّبِعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرا. فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ، فَعُرِفَ الخَضِرُ، فَحُمِل بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلى حَرْفِها فَنَقَرَ، أوْ فَنَقَدَ فِي المَاءِ، فَقالَ الخَضِرُ لِمُوسَى : ما نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللّهِ إلاّ مِقْدَارَ ما نَقَرَ أوْ نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ مِنَ البَحْرِ ». أبو جعفر الطبري يشكّ، وهو في كتابه نَقَر، قالَ :«فَبَيْنما هُوَ إذْ لَمْ يَفْجَأهُ مُوسَى إلاّ وَهُوَ يَتِدُ وَتِدا أوْ يَنْزِعُ تَحْتا مِنْها، فَقالَ لَهُ مُوسَى : حُمِلْنا بِغَيرِ نَوْلٍ وَتخْرِقُها لِتُغْرِقَ أهْلَها ؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرا، قالَ : أَلمْ أقُل إنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعَيَ صَبْرا، قالَ : لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ، قالَ : وكانَتِ الأُوَلى مِنْ مُوسَى نِسْيانا قالَ : ثُمّ خَرَجا فانْطَلَقَا يَمْشيانِ، فَأَبْصَرَا غُلاما يَلْعَبُ مَعَ الغلْمانِ، فَأخَذَ برأْسِهِ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى : أقَتَلْتَ نَفْسا زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا نُكْرا، قالَ : أَلْمْ أقُلْ لَكَ إنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعَي صَبْرا ؟ قالَ : إنْ سألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنّي عُذْرا. قالَ : فانْطَلَقّ حتى إذَا أتَيا أهْلَ قَرْيَةِ اسْتَطْعَما أهْلَها، فَلَمْ يَجدَا أحَدا يُطْعِمُهُمْ وَلا يَسْقِيهِمْ، فَوَجَدَا فِيها جِدَارا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضّ، فأقاَمهُ بيَدِهِ، قالَ : مَسَحَه بِيَدِهِ فَقالَ لَهُ مُوسَى : لَمْ يُضَيّفُونا ولَمْ يُنْزِلُونا، لَوْ شِئْتَ لاتّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرا، قالَ : هَذَا فِرَقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ » فقال رسول الله ﷺ :«لَوَددْتُ أنّهُ كانَ صَبَرَ حتى يَقُصّ عَلَيْنا قَصَصَهُمْ ».
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثنا ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، قال : جلست فأسنَدَ ابن عباس وعنده نفر من أهل الكتاب، فقال بعضهم : يا أبا العباس، إن نوفا ابن امرأة كعب يزعم عن كعب، أن موسى النبيّ الذي طلب العالم، إنما هو موسى بن ميشا. قال سعيد : قال ابن عباس : أنوف يقول هذا ؟ قال سعيد : فقلت له نعم، أنا سمعت نوفا يقول ذلك، قال : أنت سمعته يا سعيد ؟ قال : قلت : نعم، قال : كذب نوف ثم قال ابن عباس : حدثني أبيّ بن كعب أن رسول الله ﷺ قال :«إنّ مُوسَى هُوَ نَبِيّ بَنِي إسْرَائِيلَ سأَلَ رَبّهُ فَقالَ : أيْ رَبّ إنْ كانَ فِي عِبادِكَ أحَدٌ هُوَ أعْلَمُ مِنّي فدللني عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ : نَعَمْ في عِبادِي مَنْ هُوَ أعْلَمُ مِنْكَ، ثُمّ نَعَتَ لَهُ مَكانَهُ، وأذِنَ لَهُ فِي لُقِيّهِ فخَرَجَ مُوسَى مَعَهُ فَتاه وَمَعَهُ حُوتٌ مَلْيحٌ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ : إذَا حَيِيَ هَذَا الحُوتُ فِي مَكانِ فصاحبُكَ هُنالكَ وَقَدْ أدْرَكْتَ حاجَتَكَ فَخَرَجَ مُوسَى وَمَعَهُ فَتَاهُ، وَمَعَهُ ذلكَ الحُوتُ يَحْمِلانِهِ، فَسارَ حتى جَهَدَهُ السّيْرُ، وَانْتَهَى إلى الصّخْرَةِ وَإلى ذلكَ المَاءِ، ماءِ الحَياةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ خَلَدَ، وَلا يُقاربُهُ شَيْءٌ مَيّتٌ إلاّ حَيِيَ فَلَمّا نَزَلا، وَمَسّ الحُوتَ المَاءُ حَيِيَ، فاتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبا فانْطَلَقا، فَلَمّا جاوَزَا مُنْقَلَبَهُ قالَ مُوسَى : آتِنا غَدَاءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هَذَا نَصَبا. قالَ الفَتى وَذَكَرَ : أرَأَيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصّخْرَةِ فإنّي نَسِيتُ الحُوتَ وَما أنْسانِيهُ إلاّ الشّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ. واتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَبا » قال ابن عباس : فظهر موسى على الصخرة حين انتهيا إليها، فإذا رجل متلفف في كساء له، فسلم موسى، فردّ عليه العالم، ثم قال