النكت والعيون — الماوردي
عن الكتاب
{ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة
أجعل بينكم وبينهم ردما آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا} قوله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ بالفتح قرأ ابن كثير وابو عمرو وعاصم في رواية حفص. وقرأ الباقون بين السُّدين وبالضم، واختلف فيهما على قولين. أحدهما: أنهما لغتان معناهما واحد. الثاني: أن معناهما مختلف. وفي الفرق بينهما ثلاثة أوجه: أحدها: أن السد بالضم من فعل الله عز وجل وبالفتح من فعل الآدميين. الثاني: أنه بالضم الاسم، وبالفتح المصدر، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك. والسدان جبلان، قيل إنه جعل الروم بينهما، وفي موضعهما قولان: أحدهما: فيما بين إرمينية وأذربيجان. الثاني: في منقطع الترك مما يلي المشرق. ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ أي من دون السدين، وفي ﴿يَفْقَهُونَ﴾ قراءتان: إحداهما: بفتح الياء والقاف يعني أنهم لا يفهمون كلام غيرهم. والقراءة الثانية: بضم الياء وكسر القاف، أي لا يفهم كلامهم غيرهم. قوله عز وجل: ﴿قَالُواْ يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ وهما من ولد يافث بن نوح، واسمهما مأخوذ من أجت النار إذا تأججت، ومنه قول جرير:
| (وأيام أتين على المطايا | كأن سمومهن أجيج نارٍ) |
الثاني: أنه فلق الحديد، قاله قتادة. الثالث: أنه الحديد المجتمع، ومنه الزَّبور لاجتماع حروفه في الكتابة، قال تبع اليماني:
﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: الصدفان: جبلان، قال عمرو بن شاش:
وفيهما وجهان: أحدهما: أن كل واحد منهما محاذ لصاحبه، مأخوذ من المصادفة في اللقاء، قاله الأزهري. الثاني: قاله ابن عيسى، هما جبلان كل واحد منهما منعزل عن الآخر كأنه قد صدف عنه. ثم فيه وجهان: أحدهما:: أن الصدفين اسم لرأسي الجبلين الثاني: اسم لما بين الجبلين. ومعنى قوله: ﴿سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أي بما جعل بينهما حتى وارى رؤوسهما وسوّى بينهما. ﴿قَالَ انفُخُوا﴾ يعني أي في نار الحديد. ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً﴾ يعني ليناً كالنار في الحر واللهب. ﴿قَالَءَاتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أن القطر النحاس، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. الثاني: أنه الرصاص حكاه ابن الأنباري. الثالث: أنه الصفر المذاب، قاله مقاتل، ومنه قول الحطيئة:
| (ولقد صبرت ليعلموه وحولهم | زبر الحديد عشيةً ونهاراً) |
| (كلا الصدفين ينفذه سناها | توقد مثل مصباح الظلام) |
| (وألقى في مراجل من حديد | قدور الصُّفر ليس من البُرام) |
الرابع: أنه الحديد المذاب، قاله أبو عبيدة وأنشد:
وكان حجارته الحديد وطينه النحاس.
| (حُساماً كلون الملح صار حديده | حراراً من أقطار الحديد المثقب) |