الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال :﴿قالوا يا ذا القرنين إن يا جوج وما جوج مفسدون في الأرض﴾ [ ٩٠ ].
أي : قالوا بلغتهم [ أو ] (١) أو مؤوا إليه بذلك ففهم عنهم (٢). ويأجوج ومأجوج اسمان أعجميان معرفتان فلذلك لا تنصرف (٣). ولذلك ترك همزة (٤) من [ رأى ] (٥) ذلك، (٦) لأن الأعجمي غير مشتق (٧).
فأما من همزه (٨) فإنه جعله عربيا مشتقا من أجت (٩) النار (١٠)، ولكن لم ينصرف لأنه اسم للقبيلة وهو معرفة، وقال : الكسائي : من همزه جعله من أجيج النار يفعول ومفعول، (١١) ويجوز أن يكون من ترك حمزه أخذه أيضا من هذا وسهل الهمزة على القياس فأبدل منها ألفا (١٢)، ذكر سعيد بن عبد العزيز : أن إفسادهم في أنهم كانوا يأكلون الناس (١٣).
قال : محمد بن إسحاق : حدثني من لا اتهم عن وهب بن منبه اليماني، وكان له علم بالأحاديث الأولى، أنه كان يقول : ذو القرنين رجل من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره. وكان اسمه الاسكندر وإنما سمي ذا (١٤) القرنين لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس، فلما بلغ وكان عبدا صالحا، قال : الله : يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض وهي أمم مختلفة ألسنتها وهم جميع أهل الأرض منهم أمتان بينهما طول الأرض [ كله ] (١٥). ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض [ كله ] (١٦). وأمم في وسط الأرض (١٧) ومنهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج. فأما اللتان بينهما طول الأرض فامة عند مغرب الشمس يقال : لها ناسك وأما الأخرى فعند مطلع الشمس يقال : لها منسك. وأما اللتان بينهما عرض الأرض فاقة في بطن (١٨) الأرض الأيمن يقال لها هاويل، وأما الأخرى التي في بطن (١٩) الأرض الأيسر، فيقال : لها راويل (٢٠)، ثم مضى في الحديث بطوله. وقال : في بعض الحديث : فلما كان في بعض الطريق مما يلي منطقع الترك نحو المشرق قالت (٢١) له أمة من الإنس صالحة : يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله كثير (٢٢) فيهم مشابهة من الإنس. وهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون (٢٣) الدواب والوحوش كما (٢٤) تفترس السباع (٢٥)، ويأكلون خشاش (٢٦) الأرض من الحيات والعقارب وكل ذي روح مما خلق في الأرض. وليس لله خلق ينمو نماءهم في العام الواحد ولا يزداد كزيادتهم ولا يكثر ككثرتهم. [ فإن كانت (٢٧) ] لهم مدة على ما ترى من نمائهم وزيادتهم فلا شك (٢٨) أنهم سيملئون (٢٩) [ الأرض ] (٣٠) ويأكلون أهلها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة/منذ جاورناهم (٣١) إلا ونحن نتوقعهم وننتظر أن يطلع (٣٢) علينا أوائلهم من بين هذين الجبلين ﴿فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا﴾ [ ٩٠ ] أي حاجزا ﴿قال ما مكني فيه ربي خير (٣٣) [ ٩١ ] أي : ما أعطاني من القوة والتدبير والتيسير في الأمور (٣٤) خير مما تعطوني من أموالكم ولكن أعينوني بقوة أي برجال يعملون معي : أعدوا لي الصخور والحديد والنحاس حتى ارتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم. ثم انطلق يؤمهم حتى وقع (٣٥) إليهم وتوسط بلادهم. فوجدهم على مقد[ ا ]ر (٣٦) واحد ذكرهم وأنثاهم (٣٧) يبلغ طول أحدهم (٣٨) مثل نصف طول الرجل المربوع (٣٩) منا. لهم مخاليب في مواضع الأظفار من أيدينا. وأضراس وأنياب كأضراس السباع وأنيابها، وأحناك [ كأحناك (٤٠) ] الإبل قوة. تسمع لهم حركة إذا أكلوا كحركة الجرة (٤١) من الإبل، أو كقضم (٤٢) البغل المسن (٤٣). ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم، و[ ما ] (٤٤) يتقون به الحر والبرد، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان، إحداهما وبرة ظهرها وبطنها، والأخرى زغبة ظهرها وبطنها. تسعانه (٤٥) إذا لبسهما يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى. يصيف في أحدهما ويشتي في الأخرى. ليس منهم ذكر ولا أنثى إلا وقد عرف أجله الذي يموت فيه وينقطع عمره. وذلك أنه لا يموت ميت من ذكورهم حتى يخرج من صلبه ألف ولد ولا تموت أنثى حتى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن بالموت (٤٦). وهم يرزقون التنين في أيام الربيع ويستمطرونه إذا تحينوه.
كما يستمطر المطر بحينه فيقدرون منه كل سنة. فيأكلون عامهم كله إلى مثلها من القابلة. فيغنيهم (٤٧) على كثرتهم ونمائهم. فإذا أمطروه أخصبوه وعاشوا وسمنوا عليه ورؤي (٤٨) أثره (٤٩) عليهم. فدرت (٥٠) عليهم الإناث، وشبعت (٥١) منه الرجال. وإذا أخطاهم (٥٢) هزلوا وجفرت (٥٣) الذكور، وحالت الاناث، وتبين أثر ذلك عليهم. وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عوي الذئاب، ويتسافدون (٥٤) حيث التقوا (٥٥) تسافد البهائم. ثم لما عاين ذلك منهم ذو القرنين انصرف إلى ناحية الصدفين فقاس ما بينهما وهو في منطقع أثر الترك مما يلي مشرق الشمس فوجد بعدما بينهما مائة فرسخ، فلما أنشأ عمله حفر له اسما حتى بلغ الماء. ثم جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه الصخور (٥٦)، وطينه النحاس، يداب ثم يصب عليه. فصار كأنه عرف من جبل حشوه الأرض. ثم علاه وشرفه بزبر (٥٧) الحديد والنحاس المذاب. ثم جعل خلاله عرفا من الأرض. ثم جعل خلاله عرفا من نحاس أصفر. [ فصار (٥٨) ] كأنه برد محبر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد. فلما فرغ منه و[ أ ] حكمه (٥٩) انطلق عامدا إلى جماعة الجن والإنس. فسار (٦٠) حتى وصل إلى قوم يونس (٦١) [ وهم (٦٢) ] أمة/ صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون. يقتسمون بالسوية، ويحكمون بالعدل، ويتواسون (٦٣) ويتراحمون. حالهم واحدة. وكلمتهم (٦٤) واحدة وطريقتهم مستقيمة وقلوبهم متآلفة (٦٥). وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم. وليس على بيوتهم أبواب ولا (٦٦) عليهم امراء (٦٧) ثم (٦٨) أتى خبر يونس بطوله (٦٩).
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال : " إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا (٧٠) يرون شعاع الشمس قال : الذي عليهم : ارجعوا فستحفرونه غدا. فيعيده الله كأشد ما كان. فإذا بلغت مدتهم حفروا، حتى إذا كادوا (٧١) يرون شعاع الشمس فقال : الذي عليهم : ارجعوا فستفتحون (٧٢) غدا إن شاء الله، فيقدمون (٧٣) عليه (٧٤) وهو كهيئته حين تركوه. فيخرجون على الناس فيشربون المياه، ويتحصن الناس (٧٥) في حصونهم. فيرمون بسهامهم. فيرجع فيها كهيئة الدماء فيقولون : قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم (٧٦) نغفا (٧٧) في أعناقهم فيقتلونهم فقال : النبي ﷺ " والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرا من (٧٨) لحومهم (٧٩).
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال : " يفتح يأجوج ومأجوج ويخرجون على الناس كما قال : الله :﴿وهم من كل حدب ينسلون (٨٠) فيغشون الأرض. وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم ويضمون (٨١) إليهم مواشيهم. فيشربون مياه الأرض حتى [ إن (٨٢) ] بعضهم ليمر بالنهر فيشربه جميعه حتى يتركوه يابسا. وحتى إن من بعده ليمر بذلك النهر فيقول : لقد كان هاهنا ماء مرة حتى إذا لم يبق أحد إلا أحدا في حصن أو في مدينة قال : قائلهم. هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم وبقي أهل السماء. قال : فيهز أحدهم حربته ثم يرمي بها إلى السماء فترجع إليه مخضبة دما للبلاء والفتنة. فبينما هم على ذلك بعث الله عليهم دودا في أعناقهم كالنغف فتخرج (٨٣) في أعناقهم فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس. فيقول المسلمون ألا رجل يشري (٨٤) نفسه فينظر ما فعل هذا العدو. وقال : فينفرد رجل منهم بذلك محتسبا نفسه قد وطنها على أنه مقتول. فيجدهم موتى بعضهم فوق بعض. فينادي : يا معشر المسلمين ! ألا فأبشروا، فإن الله قد كفاكم عدوكم. فيخرجون (٨٥) من مدائنهم وحصونهم فيسرحون بمواشيهم فما يكون لها رعي إلا لحومهم فتشكر عليهم أحسن ما شكرت على شيء من النبات (٨٦).
قال : ابن وهب : وخبرت أن يأجوج ومأجوج ثلاثة أصناف، صنف منهم طولهم كطول الأرز (٨٧). وصنف طوله هو وعرضه سواء، وصنف يفترش أحدهم أذنه ويغطي بالأخرى سائر جسده (٨٨).
ومعنى :﴿مفسدون في الأرض﴾ [ ٩٠ ]، أي سيفسدون ولم يكن لهم افساد بعد إنما خيف منهم ذلك وسيكون إذا خرجوا.
١ ساقط من ق..
٢ وهو قول النحاس انظر إعراب النحاس ٢/٤٧٣..
٣ ق: "لا ينصرف" والقول للزجاج، انظر معاني الزجاج ٣/٣١٠..
٤ ق: "همزة"..
٥ ساقط من ط..
٦ قرأ "يأجوج ومأجوج" بغير همز عامة القراء من الحجاز والعراق وغيرهم إلا عاصما، انظر معاني الفراء ٢/١٥٩ وجامع البيان ١٦/١٦ ومعاني الزجاج ٣/٣١٠، والسبعة ٣٩٩ والحجة لابن خالويه ٢٣١ والحجة ٤٣٣، والكشف ٢/٧٦، والمشكل ٢/٤٩، والتيسير ١٤٦، والجامع ١١/٣٨ وتحبير التيسير ١٣٩..
٧ ط: "الأعجمية غير مشتقة"..
٨ وهي قراءة عاصم والأعرج، انظر معاني الفراء ٢/١٥٩، وجامع البيان ١٦/١٦، ومعاني الزجاج ٣/٣١٠، والسبعة ٣٩٩ وإعراب النحاس ٢/٤٧٣، والحجة ٤٣٢، والكشف ٢/٧٦، والمشكل ٢/٤٩، والتيسير ١٤٦، والجامع ١١/٣٨ وتحبير التيسير ١٣٩..
٩ ق: "احب"..
١٠ انظر هذا القول في معاني الزجاج ٣/٣١٠، والمشكل ٢/٤٩، والجامع ١١/٣٨..
١١ انظر قوله في الحجة لابن خالويه ٢٢٩، والجامع ١١/٣٨..
١٢ انظر هذا القول في المشكل ٢/٤٩، والجامع ١١/٣٨..
١٣ انظر قوله في جامع البيان ١٦/١٧، والجامع ا١١/٣٨..
١٤ ق: "ذو"..
١٥ ساقط من ق..
١٦ ساقط من ق..
١٧ ق زاد "كلهم"..
١٨ في جامع البيان "قطر"..
١٩ في جامع البيان "قطر"..
٢٠ ط: "واويل" وفي جامع البيان "تأويل"..
٢١ ق: "قاله"..
٢٢ ط : كثيرا..
٢٣ ط: "يفترشون"..
٢٤ ق: "حتى"..
٢٥ ط: "تفترش"..
٢٦ في النسختين "قشاب"..
٢٧ ساقط من ق..
٢٨ ق : "ولا شك"..
٢٩ ق: سيعملون..
٣٠ ساقط من ق..
٣١ ق: "جاوزناهم"..
٣٢ ق: "تطلع"..
٣٣ ط: خيرا..
٣٤ ق: "في الأمور في الأمور"..
٣٥ ق: "رافع"..
٣٦ ساقط من ط..
٣٧ ط: "إناثهم"..
٣٨ ط: "الواحد منهم" ولعله الأصوب..
٣٩ ق: "المربع"..
٤٠ ساقط من النسختين..
٤١ ق: "الحركة"..
٤٢ ق: كقضم..
٤٣ ق: المسنا..
٤٤ ساقط من ط..
٤٥ ق: يسعانه..
٤٦ ق: يحينوه..
٤٧ ق: "فيعثهم"..
٤٨ ق: "وراء"..
٤٩ ط: آثاره..
٥٠ ق: فردت..
٥١ في جامع البيان "وشبقت"..
٥٢ ط: "أبطاهم" ولعله الأصوب..
٥٣ ق : "وحفرت". ومعنى جفرت: انقطعت عن الضراب وقل ماؤها. انظر اللسان (جفر)..
٥٤ "السفاد: نزو الذكر على الأنثى"، انظر اللسان (سفد)..
٥٥ ق: "التقا"..
٥٦ ق: "الصخار"..
٥٧ ق: "يزبد"..
٥٨ ساقط من ق..
٥٩ ساقط من ق..
٦٠ ط: "فسار"..
٦١ ق: "تونس"..
٦٢ زيادة ليستقيم المعنى..
٦٣ ق: "يتواصلون"..
٦٤ ق: "كلامتهم"..
٦٥ ق: "متلفة"..
٦٦ ق: "وعلا"..
٦٧ ق: أمرا..
٦٨ ط: "ثم ثم"..
٦٩ انظر الخبر بطوله في جامع البيان١٦/١٧ والجامع ١١/٣٤ والدر ٥/٤٣٩..
٧٠ في النسختين "كانوا"..
٧١ ط: كانو..
٧٢ ط: "فستحفرونه"..
٧٣ ط: "فيعيدون"..
٧٤ ط: "إليه"..
٧٥ ط: "... الناس منهم"..
٧٦ هذا آخر النسخة ط..
٧٧ "النغف دود يسقط من أنوف الغنم والإبل" وقيل غير ذلك. انظر اللسان (نغف)..
٧٨ في اللسان (شكر: "شكرت الإبل تشكر إذا أصابت مرعى فسمنت عليه"..
٧٩ الحديث أخرجه الترمذي في السنن كتاب أبواب تفسير القرآن، رقم ٥١٦٠، وابن ماجه في السنن باب فتنة الدجال رقم ٤٠٨٠ والحاكم في المستدرك ٤/٤٨٨ وأحمد في المسند ٤/١٩، وانظره في جامع البيان ١٦/٢١، والجامع ١١/٤٢، والدر ٥/٤٥٨..
٨٠ الأنبياء: ٩٦..
٨١ ق: ويضموا..
٨٢ ساقط من ق، والتكملة من جامع البيان..
٨٣ ق: "أعناقهم كالنغف فتخرج مرتين"..
٨٤ ق: "رجلا يشتري" والتصويب من جامع البيان..
٨٥ التكملة من جامع البيان..
٨٦ الحديث أخرجه ابن ماجه في السنن كتاب الفتن، رقم ٤٠٧٩، والحاكم في المستدرك ٤/٤٨٩ وانظره في جامع البيان ١٦/٢١..
٨٧ ق: "الأوز" والتصويب من جامع البيان..
٨٨ يروى ابن وهب هذا القول عن معاوية عن أبي الزاهرية وشريح بن عبيد، انظر جامع البيان ١٦/٢٢، وفي الدر ٥/٤٥٦ أنه قول كعب..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى