مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
وقوله :﴿وصدق بالحسنى﴾ فالحسنى فيها وجوه ( أحدها ) : أنها قول لا إله إلا الله، والمعنى : فأما من أعطى واتقى وصدق بالتوحيد والنبوة حصلت له الحسنى، وذلك لأنه لا ينفع مع الكفر إعطاء مال ولا اتقاء محارم، وهو كقوله :﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة﴾ إلى قوله :﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾.
( وثانيها ) : أن الحسنى عبارة عما فرضه الله تعالى من العبادات على الأبدان وفي الأموال كأنه قيل : أعطى في سبيل الله واتقى المحارم وصدق بالشرائع، فعلم أنه تعالى لم يشرعها إلا لما فيها من وجوه الصلاح والحسن ( وثالثها ) : أن الحسنى هو الخلف الذي وعده الله في قوله :﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ والمعنى : أعطى من ماله في طاعة الله مصدقا بما وعده الله من الخلف الحسن، وذلك أنه قال :﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله﴾ فكان الخلف لما كان زائدا صح إطلاق لفظ الحسنى عليه، وعلى هذا المعنى :﴿وكذب بالحسنى﴾ أي لم يصدق بالخلف، فبخل بماله لسوء ظنه بالمعبود، كما قال بعضهم : منع الموجود، سوء ظن بالمعبود، وروي عن أبي الدرداء أنه قال :«ما من يوم غربت فيه الشمس إلا وملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين. اللهم أعط كل منفق خلفا وكل ممسك تلفا » ( ورابعها ) : أن الحسنى هو الثواب، وقيل : إنه الجنة، والمعنى واحد، قال قتادة : صدق بموعود الله فعمل لذلك الموعود، قال القفال : وبالجملة أن الحسنى لفظة تسع كل خصلة حسنة، قال الله تعالى :﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين﴾ يعني النصر أو الشهادة، وقال تعالى :﴿ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا﴾ فسمى مضاعفة الأجر حسنى، وقال :﴿إن لي عنده للحسنى﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى