اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتابفصل في تعلق الآية بما بعدها
لما قال المستهزئون : إن دخل هؤلاء الجنَّة كما يقولُ محمدٌ فلندخلنَّها قبلهم، أجابهم الله - تعالى - بقوله :﴿كَلاَّ﴾ لا يدخلونها، ثم ابتدأ فقال :﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ أي : أنهم يعلمون أنهم مخلوقون من نُطفةٍ، ثم من علقة، ثم كما خلق سائر جنسهم، فليس لهم فضلٌ يستوجبون به الجنة، وإنما يستوجب بالإيمان، والعمل الصالح، ورحمة الله تعالى.
وقيل : كانوا يستهزئون بفقراء المسلمينَ ويتكبرون عليهم، فقال :﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾، أي : من القذر، فلا يليقُ بهم هذا التكبرُ.
وقال قتادة في هذه الآيةِ : إنَّما خلقت يا ابن آدم من قذرٍ فاتَّقِ اللَّهَ(١).
وروي أنَّ مطرف بن عبد الله بن الشِّخيرِ، رأى المهلَّب بن أبي صفرة يتبختر في مطرف خَزّ وجُبة خَزّ، فقال له : يا عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها الله ؟.
فقال له : أتعرفني، قال : نعم، أوّلك نطفةٌ مذرةٌ، وآخرك جيفةٌ قذرةٌ، وأنت تحمل العذرةَ، فمضى المهلَّب وترك مشيته(٢).
قال ابن الخطيب(٣) : ذكروا في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً :
أحدها : لما احتج على صحة البعث دل على أنهم كانوا منكرين للبعث، فكأنه قيل لهم : كلا إنكم منكرون للبعث فمن أين تطمعون بدخولِ الجنَّة.
وثانيها : أنَّ المستهزئين كانوا يستحقرون المؤمنين - كما تقدّم - فقال تعالى : إنَّ هؤلاء المستهزئين مخلوقون مما خلقوا، فكيف يليق بهم هذا الاحتقار ؟.
وثالثها : أنَّهم مخلوقون من هذه الأشياء المستقذرة، ولم يتصفوا بالإيمانِ، والمعرفةِ، فكيف يليق بالحكمة إدخالهم الجنة ؟.
وقيل : معنى قوله :﴿خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾، أي : مراحل ما يعلمون وهو الأمر والنَّهي والثوابُ والعقابُ.
كقول الأعشى :[ المتقارب ]
| ٤٨٧٣ - أأزْمَعْتَ من آلِ لَيْلَى ابْتِكَارا | وشَطَّتْ على ذِي هَوَى أنْ تُزَارَا(٤) |
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٤٢) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٢١) وعزاه إلى عبد بن حميد..
٢ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١٩١)..
٣ ينظر: الفخر الرازي ٣٠/١١٧..
٤ ينظر القرطبي ١٨/١٩١..
٢ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١٩١)..
٣ ينظر: الفخر الرازي ٣٠/١١٧..
٤ ينظر القرطبي ١٨/١٩١..