التفسير البسيط — الواحدي

عن الكتاب
٤٠ - قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ معناه: وأقسم، وقد مر هذا في مواضع (١).
وقوله: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ يعني مشرق كل (٢) يوم من السنة، ومغربه.
﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ على أن نهلكهم حين عصوا.
﴿أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ من يطيعني. وقال مقاتل: لقادرون على أن نخلق أمثل منهم، وأطوع لله (٣).
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ مفسر في قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ (٤).
وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ مفسر في آخر سورة الطور (٥).
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾، أي: ينسلون بسرعة، فكأنهم إلى عَلَمٍ نُصِبَ لهم يستبقون، وهذا كقوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾، و ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]، وكقوله:
(١) منها ما جاء في سورة الواقعة: ٧٥، وسورة القلم: ١٧، وسورة الحاقة: ٣٨. وانظر ما جاء فيها من تفسير سورة الحاقة: ٣٨.
(٢) بياض في: (ع).
(٣) "تفسير مقاتل" ٢٠٩/ ب.
(٤) سورة الواقعة: ٦٠. ومما جاء في تفسير: قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: يريد: لا يفوتني شيء أريده، ولا يمتنع مني أحد، وقال المفسرون: على أن نأتي بخلق مثلكم بدلًا منكم، وقال أبو إسحق: أي إن أردنا أن نخلق خلقًا غيركم لم يسبقنا سابق، ولا يفوتنا.
(٥) سورة الطور: ٤٥. ومما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥)﴾: يقول: فخل عنهم، يعني لا يهتم بهم حتى يعاينوا يوم موتهم، وهذا تهديد لهم. ومعنى: ﴿يُصْعَقُونَ﴾ يموتون.
﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ (١) الآيات.
والنصب: كل شيء نُصب. قال ابن عباس: إلى غاية (٢)، أو علم يسرعون (٣). وهو [قول] (٤) أكثر المفسرين (٥).
وقال الحسن: يعني إلى أنصابهم أيهم يستلم أولاً (٦)، يعني الأوثان.
قال أبو إسحاق: وهذا على قراءة من قرأ: ﴿نَصَبٌ﴾ بضمتين (٧)، كقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ قال: ومعناه: أصنام لهم (٨).
(١) لعله عني الآية التي في سورة القمر: ٧، فخلط الناسخ بينها وبين آية سورة المعارج، وتمامها: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)﴾.
(٢) سورة القمر: ٧، وقد سبق ذكرها.
(٣) انظر: "الكشف والبيان" ١٢: ١٨٦/ ب، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٩٧. ووردت عنه بهذه الرواية في: "الكشف والبيان" ١٢: ١٨٧/ أ، وبنحوها في: "جامع البيان" ٢٩/ ٨٩ بعبارة: إلى علم يسعون، وكذا في: "تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٥٢، و"الدر المنثور" ٨/ ٢٨٧ وعزاه إلى ابن جرير.
(٤) في كلا النسختين: أقوال، وما أثبته هو الصواب.
(٥) وهو قول: أبي العالية، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، والضحاك، وسفيان، وابن زيد، ومجاهد. انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ٨٩ - ٩٠، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٣٧١، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٥٢، و"الدر المنثور" ٨/ ٢٨٧، وبه قال الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٢٤.
(٦) "جامع البيان" ٢٩/ ٩٠، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٦.
(٧) وممن قرأ بذلك: ابن عامر، وحفص عن عاصم بضمتين، وقرأ يعقوب: ﴿نَصَبٌ﴾ بفتح النون والصاد. وقرأ الباقون: ﴿إِلَى نُصُبٍ﴾ بفتح النون وسكون الصاد. انظر: "السبعة" ٦٥١، و"القراءات وعلل النحويين" ٢/ ٧١٤، و"الحجة" ٦/ ٣٢٢ - ٣٢٣، و"المبسوط في القراءات العشر" ٣٨٢، و"الكشف والبيان" ١٢/ ٣٣٦/ ب، و"النشر" ٢/ ٣٩١.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٢٤ نقله عنه بالمعنى.
قال أبو علي: (النُصْب) يجوز أن يكون جمع نَصْب مثل: سَقْفٍ، وسُقْفٍ، ووَرْدٍ، ووُرْدٍ، فيجوز فيه التخفيف والتثقيل (١)، مثل: أَسدٍ في جمع أُسَدٍ، قال ويجوز أن يكون النَّصْبُ والنُّصْبُ لغتين مثل: الضَّعْف، والضُّعف، ويكون التثقيل كَشُغْل، وشُغُل، وطُنْب، وطُنُب (٢).
والكلام في النصب والأنصاب قد تقدم (٣).
وقوله: ﴿يُوفِضُونَ﴾ قال [أبو عبيدة] (٤): يسرعون (٥).
(١) بياض في: (ع).
(٢) الحجة: ٦/ ٣٢٣ نقله عنه الإمام الواحدي بتصرف يسير. قال ابن فارس: "النون والصاد والباء أصل صحيح يدل على إقامة شيء وإهداف في استواء، والنَّصب: حجر كان يُنصب فيُعبد، ويقال: هو النُّصُب، وهو حجر يُنْصب بين يدي الصنم تصب عليه دماء الذبائح للأصنام". ٦/ ٤٣٤ (نصب). وجاء في "الصحاح" "النَّصْب: ما نُصب فعبد من دون الله تعالى، وكذلك النُّصْب (بالضم، وقد يحرك"). ١/ ٢٢٥ (نصب). وفي "لسان العرب" "النَّصْب، والنُّصُب: العلم المنصوب، وقيل: النَّصْب: الغاية، والأول أصح". ١/ ٧٥٩ (نصب).
(٣) في سورة المائدة: ٣، والآية: ٩٠، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. "النصب جمع نصاب، وجائز أن يكون واحدًا وجمعه أنصاب، ويراد به -كما قال ابن عباس-: الأصنام التي تنصب وتعبد من دون الله. وقال الكلبي: النصب حجارة كانت يعبدونها. وقال الفراء: النصب: الآلهة التي كانت تعبد من حجارة، وقال الزجاج: النصب: حجارة كانت لهم يعبدونها، وهي الأوثان. وقال الآخرون: كانت حول الكعبة أحجار كان أهل الجاهلية يذبحون عليها، ويشرحون اللحم عليها، وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها، قالوا: وليست هي بأصنام، إنما الصنم ما يصور وينقش".
(٤) في كلا النسختين: (أبي) عبيد، وأثبت ما رأيت أنه صواب لمماثلة القول لقول أبي عبيدة، وكثيرًا ما يخلط الناسخ بينهما. والله أعلم.
(٥) "مجاز القرآن" ٢/ ٢٧٠.
ونحو ذلك قال الزجاج (١)، والفراء (٢).
وأنشدوا:
لأنْعَتَنْ (٣) نَعامَةً مِيفاضاخَرْجاءَ ظلت تطلُبُ الأضاضا (٤)
قال الزجاج: الميفاض: السريعة، والأضاض: الموضع الذي يُلْجأ إليه، [يقال] (٥): أضَّتْني إليك حاجةً أضاضا (٦).
وقال المبرد: الإيفاض (٧): ضرب من السير (٨).
وجميع ألفاظ المفسرين دالة على الإسراع.
(١) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٢٤.
(٢) "معاني القرآن" ٣/ ١٨٦.
(٣) في (أ): لا نعيق.
(٤) عند الزجاج برواية: "تعدو" بدلًا من "ظلت". وقد ورد البيت عند الزجاج والفراء (مرجعان سابقان) من غير نسبة، وكذا في: شرح أبيات معاني القرآن للفراء ومواضع الاحتجاج بها. د. ناصر حسين علي: ١٩٦ شاهد: ٤٤٠ - ٤٤١، و"لسان العرب" ٧/ ١١٥، و٢٥٠ مادة: (أضض)، و (فض) برواية: "تغدو"، و"الإضاضا"، و"تاج العروس" ٥/ ٦، مادة: (أضَّ)، و"جامع البيان" ٢٩/ ٨٩ برواية: "تغدو" الإضاضا"، و"الدر المصون" ٦/ ٣٨١. وموضع الشاهد: "ميفاضا" من الإيفاض، وهو الإسراع. والمعنى: الخَرْج: اللون، فإذا رُقِّع القميص الأبيض برقعة حمراء، فهو أخرج، و: "تطلب الإضاضا"، أي: تطلب موضعًا تدخل فيه وتلجأ إليه. انظر: شرح أبيات معاني القرآن، مرجع سابق.
(٥) ساقط من النسخين، ومثبت من معاني القرآن وإعرابه، وبه يستقيم المعنى.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٢٤ باختصار.
(٧) في (أ): الإيضاض.
(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.
قال ابن عباس (١)، وقتادة (٢)، ومقاتل (٣): يسعون.
وقال أبو (العالية) (٤)، ومجاهد (٥): يستبقون (٦).
وقال الحسن: يبتدرون (٧).
وقال محمد بن كعب: يشتدون (٨).
وقال الليث: الإبل تَفِضُ وَفْضًا، وتَسْتَوْفِض، وأوفَضَها صاحبها.
وعلى هذا الإيفاض واقع، وهو في الآية مطاوع (٩)، ويقال: وفض واستوفض بمعنى واحد (١٠).
(١) راجع الحاشية رقم: ١١ صفحة: ١٥٣.
(٢) "جامع البيان" ٢٩/ ٨٩، و"الكشف والبيان" ١٢: ١٨٧/ أ.
(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٤) غير واضحة لبياض في (ع)، وورد قوله هذا في: "جامع البيان" ٢٩/ ٨٩، و"الكشف والبيان" ١٨٧/ أ، و"النكت والعيون" ٦/ ٩٧، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٣٧١، و"الدر المنثور" ٨/ ٢٨٧، وعزاه إلى عبد بن حميد.
(٥) المراجع السابقة في مصادر قول أبي العالية عدا المحرر الوجيز.
(٦) في (أ): يستمعون.
(٧) "الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٩٧ مطولًا، و"الدر المنثور" ٨/ ٢٨٧، وعزاه إلى عبد بن حميد، كما ورد مطولًا أيضًا في "فتح القدير" ٥/ ٢٩٥.
(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٩) المطاوعة هي: قبول فاعل فعل أثر فاعل آخر يلاقيه اشتقاقًا، وهو حصول الأثر الأول للثاني مع التلاقي اشتقاقًا. انظر: معجم المصطلحات النحوية والصرفية: د. محمد اللبدي: ١٤١.
(١٠) "تهذيب اللغة" ١٢/ ٨٢ مادة: (وفض)، نقله الواحدي عن الأزهري باختصار. وانظر مادة: (وفض) في: مختار "الصحاح" ٧٣٠، و"تاج العروس" ٥/ ٩٧، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: ٤٨٦، المفردات في غريب القرآن: للراغب الأصفهاني: ٥٢٨، و"نفس الصباح": ٧٧٤، و"تحفة الأريب" لأبي حيان: ٣١٩.
سورة نوح

تفسير هذه الآية من كتب أخرى