اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إذ قال الله﴾ فيها أوجه :
أحدها : أنه بدل من " يَوْمَ يَجْمَعُ " قال الزمخشريُّ(١) :" والمعنى : أنه يوبِّخ الكافرين يومئذ بسؤال الرسُلِ عن إجابَتِهِمْ، وبتعديدِ ما أظْهَرَ على أيديهم من الآياتِ العظامِ، فكذَّبهم بعضُهم وسمَّوْهُم سحَرةً، وتجاوزَ بعضُهُمُ الحَدَّ، فجعله وأمَّهُ إلَهَيْنِ "، ولمَّا ذكَر أبو البقاء(٢) هذا الوجه، تأوَّلَ فيه " قَالَ " ب " يَقُولُ "، وأنَّ " إذْ "، وإنْ كانت للماضي، فإنما وقعتْ هنا [ على ] حكاية الحال.
يقولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِه :" كَأنَّكَ بِنَا وقد دخَلْنَا بلْدة كذا، وصَنَعْنَا فيه كذا "، قال - تبارك وتعالى :﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ﴾ [سبأ: ٥١]، وقال غيْرُهُ : معناه الدَّلالة على قُرْبِ القِيَامَةِ كأنَّها قَدْ قَامَتْ، وكُلُّ ما هو آتٍ آتٍ، كما يُقالُ : الجَيْشُ قد أتَى، إذا قَرُبَ إتْيَانهم قال - تبارك وتعالى - :﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١].
الثاني : أنه منصوبٌ ب " اذْكُرْ " مقدَّراً، قال أبو البقاء(٣) - رحمه الله تعالى - :" ويجوزُ أن يكون التقديرُ : اذْكُرْ إذْ يَقُولُ "، يعني أنه لا بد من تأويلِ الماضي بالمستقبلِ، وهذا كما تقرَّر له في الوجْهِ قبله، وكذا ابنُ عطيَّة تأوَّله ب " يَقُولُ " ؛ فإنه قال :" تقديرُه : اذْكُرْ يا محمَّد إذْ "، و " قَالَ " هنا بمعنى " يَقُولُ " ؛ لأنَّ ظاهر هذا القولِ، إنما هو في يوم القيامة ؛ لقوله بعده ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾.
الثالث : أنه في محلِّ رفع خبراً لمبتدأ مضمرٍ، أي : ذلك إذْ قَالَ، ذكره الواحديُّ، وهذا ضعيفٌ ؛ لأن " إذْ " لا يُتَصَرَّفُ فيها، وكذلك القولُ بأنها مفعولٌ بها بإضمار " اذْكُرْ "، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك، اللهم إلا أنْ يريد الواحديُّ بكونه خبراً ؛ أنه ظرفٌ قائمٌ مقام خبرٍ، نحو :" زَيْدٌ عِنْدَكَ " فيجوز.
قوله :﴿يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ تقدَّم الكلامُ في اشتقاق هذه المفردات ومعانيها، و " ابْنَ مَرْيَمَ " صفة ل " عِيسَى " نُصِب ؛ لأنه مضاف، وهذه قاعدةٌ كلية مفيدة، وذلك أنَّ المنادى المفردَ المعرفةَ الظاهرَ الضَّمَّةِ، إذا وُصِفَ ب " ابْن " أو " ابْنَة "، ووقع الابنُ أو الابنةُ بين علمَيْنِ أو اسمَيْنِ متفقَيْنِ في اللفظِ، ولم يُفْصَل بين الابْنِ وبيْنَ موصوفه بشيء، تثبت له أحكامٌ منها : أنه يجوزُ إتْبَاعُ المنادى المضمومِ لحركةِ نُونِ " ابْن " ؛ فيُفتح ؛ نحو :" يَا زَيْدَ ابْنَ عَمْرٍو، ويَا هِنْدَ ابْنَةَ بَكْرٍ " بفتح الدال من " زَيْد " و " هِنْد " وضمِّها، فلو كانت الضمةُ مقدَّرةً نحو ما نحن فيه، فإنَّ الضمة مقدَّرة على ألفِ " عيسَى " فهل يُقَدَّر بناؤُه على الفتْحِ إتباعاً كما في الضمَّة الظاهرة ؟ فيه خلاف : الجمهورُ على عدمِ جوازه ؛ إذْ لا فائدة في ذلك، فإنه إنما كان للإتباع، وهذا المعنى مفقودٌ في الضمَّة المقدرة، وأجاز الفراء(٤) ذلك ؛ إجراءً للمقدَّر مُجْرَى الظاهرِ، وتبعه أبو البقاء(٥) ؛ فإنه قال :" يَجُوزُ أن يكون على الألِفِ من " عيسَى " فتحةٌ ؛ لأنه قد وُصِفَ ب " ابْن " وهو بين عَلَمَيْنِ، وأن يكونَ عليها ضمَّةٌ، وهو مثلُ قولك :" يَا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو " بفتح الدال وضمِّها "، وهذا الذي قالاه غيرُ بعيدِ، ويَشْهَدُ له مسألةٌ عند الجميع : وهو ما إذا كان المنادَى مبنيًّا على الكسرِ مثلاً ؛ نحو :" يَا هَؤلاءِ "، فإنهم أجازوا في صفته الوجهيْن : الرفع والنصب، فيقولون :" يا هَؤلاءِ العُقلاَءِ والعُقَلاءُ " بنصب العقلاء ورفعها، قالوا : والرفعُ مراعاةً لتلك الضمة المقدَّرة على " هؤلاءِ "، فإنه مفردٌ معرفة، والنصب على محلِّه، فقد اعتبروا الضمة المقدَّرة في الإتباع، وإنْ كان ذلك فائتاً في اللفظ، وقد يُفَرَّقُ بأنَّ " هؤلاءِ " نحن مضطُّرون فيه إلى تقدير تلْكَ الحركةِ ؛ لأنه مفرد معرفةٌ، فكأنها ملفوظٌ بها بخلافِ تقديرِ الفتحة هنا.
وقال الواحديُّ في " يَا عيسَى " ويجوزُ أن [ يكونَ ] في محلِّ النصب ؛ لأنه في نية الإضافة، ثم جعل الابن توكيداً له، وكل ما كان مثل هذا ؛ جَازَ فيه الوجهانِ ؛ نحو :" يَا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو " ؛ وأنشد :[ الرجز ]
سُرَادِقُ المَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودْ(٦) ***. . .
بنصب الأول ورفعه على ما بَيَّنَّا، وقال التبريزيُّ : الأظهرُ عندي أنَّ موضع " عِيسَى " نصب ؛ لأنك تجعلُ الاسم مع نعتِه إذا أضفته إلى العلمِ كالشيء الواحد المضافِ، وهذا الذي قالاه لا يُشْبِهُ كلام النحاة أصلاً، بل يقولون : الفتحةُ للإتباعِ، ولم يُعْتَدَّ بالساكنِ ؛ لأنه حاجزٌ غيرُ حَصِينٍ، كذا قال أبو حيان : قال شهاب الدين(٧) : الذي قد قاله الزمخشريُّ - وكونه ليس من النحاة مُكَابَرَةٌ في الضَّرُوريَّاتِ - عند قوله :﴿إذْ قَالَ الحَوَارِيُّونَ : يا عِيسَى ابْنَ مَرْيم﴾ :" عِيسَى في محل النصب على إتباع حركته حركة الابْنِ ؛ كقولك :" يَا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو "، وهي اللغة الفاشيةُ، ويجوزُ أن يكون مضموماً ؛ كقولك " يَا زَيْدُ بْنَ عَمْرٍو "، والدليل عليه قوله :[ المتقارب ]
لأنَّ الترخيم لا يكونُ إلا في المضموم ". انتهى، فاحتاج إلى الاعتذار عن تقديرِ الضمة، واستشهد لها بالبيتِ ؛ لمخالفتِها اللغة الشهيرة.
وقولنا :" المُفْرَد " تحرُّزٌ من المُطَوَّل، وقولنا " المَعْرِفَة " تحرُّز من النكرة ؛ نحو :[ " يا رَجُلاً ابْنَ رَجُلٍ " إذا لم تَقْصِدْ به واحداً بعينه، وقولنا :" الظاهر الضَّمَّةِ " تحرُّزٌ من نحو :] " يَا مُوسَى بْنَ فُلانٍ "، وكالآية الكريمة، وقولنا ب " ابْن " تحرُّزٌ من الوصف بغيره ؛ نحو :" يا زَيْدُ صَاحِبَنَا "، وقولنا :" بين عَلَميْنِ أو اسمَيْن متفقين لفظاً " تحرُّزٌ من نحو :" يَا زَيْدُ [ بْنَ أخِينَا " ]، وقولنا :" غيرَ مَفْصُولٍ " تحرُّزٌ من نحو :" يَا زَيْدُ العَاقِلُ ابْنَ عَمْرٍو " ؛ فإنه لا يجوز في جميع ذلك إلا الضَّمُّ، وقولنا [ " وَصْفٌ " ] تحرُّزٌ من أن يكون الابْنُ خبراً، لا صفة ؛ نحو :" زَيْدٌ ابْنُ عَمْرٍو "، وهل يجوزُ إتباعُ " ابن " له فيُضمُّ نحو :" يا زيد بنُ عمرو " بضم " ابن " ؟ فيه خلافٌ.
وقولنا :" أحْكَام "، وقد تقدَّم منها ما ذكرنَاه من جوازِ فتحهِ إتباعاً، ومنها : حَذْفُ ألفه خَطًّا، ومنها : حَذْفُ تنوينه في غير النداء ؛ لأنَّ المنادى لا تنوينَ فيه وفي قوله :" ابْنَ مريمَ " ثلاثةُ أوجه :
أحدها : أنه صفةٌ ؛ كما تقدَّم، والثاني : أنه بدلٌ، والثالث : أنه بيانٌ ؛ وعلى الوجهين الأخيرَيْن : لا يجوزُ تقديرُ الفتحة إتباعاً ؛ إجماعاً، لأنَّ الابنَ لم يَقَعْ صفةً، وقد تقدَّم أنَّ ذلك شرطٌ.
وأرَادَ بالنِّعْمَة : الجَمْع كقوله :﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ﴾ [النحل: ١٨]، وإنَّمَا جاز ذلك ؛ لأنَّهُ مضافٌ يَصْلُح للجِنْسِ.
قال القُرْطُبِي(٩) : إنما ذَكَّرَ الله - تبارك وتعالى - عيسَى - عليه الصلاة والسلام - نِعْمَته عليه وعلى وَالِدَتِهِ، وإن كان لَهُمَا ذاكراً لأمرين :
أحدهما : ليتلو على الأمَمِ بما خَصَّصَهَا به من الكرامةِ، ومَيَّزها به من عُلُوِّ المَنْزِلَة.
والثاني : ليُؤكِّد به حُجَّتَه، ويردّ به جَاحِدَهُ، وفَسَّرَ نِعْمَتَهُ عليه بأمور :
أوَّلُها : قوله تعالى :﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ في " إذْ " أربعةُ أوجه :
أحدها : أنه منصوبٌ ب " نِعْمَتِي " ؛ كأنه قيل : اذكُرْ إذْ أنعمْتُ عليْكَ وعلى أمِّكَ في وقت تأييدي لك.
والثاني : أنه بدلٌ من " نِعْمَتِي " بدلُ اشتمال، وكأنه في المعنى يفسِّر النعمة.
والثالث : أنه حالٌ من " نِعْمَتِي "، قاله أبو البقاء(١٠).
والرابع : أن يكون مفعولاً به على السَّعَة، قاله أبو البقاء(١١) - رحمه الله تعالى - أيضاً قال شهاب الدين(١٢) : هذا هو الوجهُ الثاني - أعني البدليةَ -، وقرأ الجمهور " أيَّدتُّكَ " بتشديد الياء، وغيرهم " آيدتُّكَ " وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك في سورة البقرة مُشْبَعاً، ومعنى الآية الكريمة : أي : قَوْمَك بِمَا يَجُوزُ من الأَيْدِ، وهو القُوَّة.
المرادُ بِرُوحِ القُدُسِ : جبريل - عليه الصلاة والسلام -، والقُدُس : هو اللَّهُ تعالى، كأنَّه أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَعْظِيماً، وقيل : إنَّ الأرْوَاحَ مُخْتَلِفَةٌ بالماهِيَّةِ : فمنها طَاهِرَةٌ نُورَانيَّةٌ، ومنها خَبِيثة ظُلْمانيَّة، ومنها : مُشْرِقَة ومنها كَدِرة، ومنها خَيِّرَةٌ ومنها نَذِلَةٌ ؛ ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام - :" الأرْواح جُنُودُ مُجَنَّدةٌ " (١٣)، فاللَّهُ تعالى خصَّ عيسى - عليه الصلاة والسلام - بالرُّوح الطَّاهِرة النُّورَانِيَّة المُشْرقَة العُلويَّة الخيِّرةِ، ولقائل أن يقول : لما دلَّت هذه الآيَةُ على أنَّ تأييد عيسى إنَّما حَصَلَ من جِبْرِيل، أو بسبَبِ رُوحِهِ المُخْتَصَّةِ، وهذا يَقْدَحُ في دلالةِ المُعْجِزَات على صِدْقِ الرُّسُلِ - عليهم الصلاة والسلام -، ولم تُعْرفُ عِصْمَة الرُّسُل - عليهم السلام - قَبْلَ العِلْمِ بعصْمَةِ جبريل - عليه الصلاة والسلام - فيلزم الدَّوْر.
فالجواب : قال ابن الخطيب(١٤) : ثبت من أصْلِنَا أنَّ الخَالِقَ ليْسَ إلاَّ اللَّهُ، وبه يَنْدَفِعُ السُّؤال.
قوله :﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ معناه : يُكَلِّمُ النَّاس في المَهْدِ صَبِيًّا، وكَهْلاً نبياً.
قال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - : أرسلهُ اللَّهُ وهو ابنُ ثلاثينَ فَمَكَث في رسالته ثلاثين شَهْراً، ثُمَّ إنَّ الله رَفَعَهُ إلَيْهِ(١٥).
قال المُفَسِّرُون : يُكَلِّم النَّاسَ في المَهْد وكَهْلاً، في مَوْضِع الحال، والمعنى : يُكلِّمُ النَّاسَ طِفْلاً وكَهْلاً من غير أن يتفاوت كلامُهُ في هذين الوقْتَيْن، وهذه خَاصَّةٌ شَرِيفَةٌ لم تَحْصُلْ لأحدٍ من الأنْبِيَاء، وقد تقدَّم الكلام في [ الآية ٤٦ ] آل عمران، ما فائدة قوله :﴿فِي المهد وكَهْلاً﴾.
قوله :﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ قيل : الكِتَابُ، الشَّريعةُ، وقيل : الخَطُّ، وأمَّا الكَلِمَةُ فقيل : هي العِلْمُ والفَهْمُ، وذكر التَّوْراة والإنجيلَ بعد الكِتَاب على سَبيلِ التَّشْرِيف، كقوله - تبارك وتعالى - :﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]، وقوله :﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، فإنَّما ذكر التَّوراة والإنجيلَ بعد ذِكْرِ الكتابِ ؛ لأنَّ الاطِّلاع على أسْرَار الكُتُبِ الإلهِيَّة لا يحصلُ إلاَّ لمن كانَ ثَابِتاً في أصْنَافِ الع
أحدها : أنه بدل من " يَوْمَ يَجْمَعُ " قال الزمخشريُّ(١) :" والمعنى : أنه يوبِّخ الكافرين يومئذ بسؤال الرسُلِ عن إجابَتِهِمْ، وبتعديدِ ما أظْهَرَ على أيديهم من الآياتِ العظامِ، فكذَّبهم بعضُهم وسمَّوْهُم سحَرةً، وتجاوزَ بعضُهُمُ الحَدَّ، فجعله وأمَّهُ إلَهَيْنِ "، ولمَّا ذكَر أبو البقاء(٢) هذا الوجه، تأوَّلَ فيه " قَالَ " ب " يَقُولُ "، وأنَّ " إذْ "، وإنْ كانت للماضي، فإنما وقعتْ هنا [ على ] حكاية الحال.
يقولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِه :" كَأنَّكَ بِنَا وقد دخَلْنَا بلْدة كذا، وصَنَعْنَا فيه كذا "، قال - تبارك وتعالى :﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ﴾ [سبأ: ٥١]، وقال غيْرُهُ : معناه الدَّلالة على قُرْبِ القِيَامَةِ كأنَّها قَدْ قَامَتْ، وكُلُّ ما هو آتٍ آتٍ، كما يُقالُ : الجَيْشُ قد أتَى، إذا قَرُبَ إتْيَانهم قال - تبارك وتعالى - :﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١].
الثاني : أنه منصوبٌ ب " اذْكُرْ " مقدَّراً، قال أبو البقاء(٣) - رحمه الله تعالى - :" ويجوزُ أن يكون التقديرُ : اذْكُرْ إذْ يَقُولُ "، يعني أنه لا بد من تأويلِ الماضي بالمستقبلِ، وهذا كما تقرَّر له في الوجْهِ قبله، وكذا ابنُ عطيَّة تأوَّله ب " يَقُولُ " ؛ فإنه قال :" تقديرُه : اذْكُرْ يا محمَّد إذْ "، و " قَالَ " هنا بمعنى " يَقُولُ " ؛ لأنَّ ظاهر هذا القولِ، إنما هو في يوم القيامة ؛ لقوله بعده ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾.
الثالث : أنه في محلِّ رفع خبراً لمبتدأ مضمرٍ، أي : ذلك إذْ قَالَ، ذكره الواحديُّ، وهذا ضعيفٌ ؛ لأن " إذْ " لا يُتَصَرَّفُ فيها، وكذلك القولُ بأنها مفعولٌ بها بإضمار " اذْكُرْ "، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك، اللهم إلا أنْ يريد الواحديُّ بكونه خبراً ؛ أنه ظرفٌ قائمٌ مقام خبرٍ، نحو :" زَيْدٌ عِنْدَكَ " فيجوز.
قوله :﴿يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ تقدَّم الكلامُ في اشتقاق هذه المفردات ومعانيها، و " ابْنَ مَرْيَمَ " صفة ل " عِيسَى " نُصِب ؛ لأنه مضاف، وهذه قاعدةٌ كلية مفيدة، وذلك أنَّ المنادى المفردَ المعرفةَ الظاهرَ الضَّمَّةِ، إذا وُصِفَ ب " ابْن " أو " ابْنَة "، ووقع الابنُ أو الابنةُ بين علمَيْنِ أو اسمَيْنِ متفقَيْنِ في اللفظِ، ولم يُفْصَل بين الابْنِ وبيْنَ موصوفه بشيء، تثبت له أحكامٌ منها : أنه يجوزُ إتْبَاعُ المنادى المضمومِ لحركةِ نُونِ " ابْن " ؛ فيُفتح ؛ نحو :" يَا زَيْدَ ابْنَ عَمْرٍو، ويَا هِنْدَ ابْنَةَ بَكْرٍ " بفتح الدال من " زَيْد " و " هِنْد " وضمِّها، فلو كانت الضمةُ مقدَّرةً نحو ما نحن فيه، فإنَّ الضمة مقدَّرة على ألفِ " عيسَى " فهل يُقَدَّر بناؤُه على الفتْحِ إتباعاً كما في الضمَّة الظاهرة ؟ فيه خلاف : الجمهورُ على عدمِ جوازه ؛ إذْ لا فائدة في ذلك، فإنه إنما كان للإتباع، وهذا المعنى مفقودٌ في الضمَّة المقدرة، وأجاز الفراء(٤) ذلك ؛ إجراءً للمقدَّر مُجْرَى الظاهرِ، وتبعه أبو البقاء(٥) ؛ فإنه قال :" يَجُوزُ أن يكون على الألِفِ من " عيسَى " فتحةٌ ؛ لأنه قد وُصِفَ ب " ابْن " وهو بين عَلَمَيْنِ، وأن يكونَ عليها ضمَّةٌ، وهو مثلُ قولك :" يَا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو " بفتح الدال وضمِّها "، وهذا الذي قالاه غيرُ بعيدِ، ويَشْهَدُ له مسألةٌ عند الجميع : وهو ما إذا كان المنادَى مبنيًّا على الكسرِ مثلاً ؛ نحو :" يَا هَؤلاءِ "، فإنهم أجازوا في صفته الوجهيْن : الرفع والنصب، فيقولون :" يا هَؤلاءِ العُقلاَءِ والعُقَلاءُ " بنصب العقلاء ورفعها، قالوا : والرفعُ مراعاةً لتلك الضمة المقدَّرة على " هؤلاءِ "، فإنه مفردٌ معرفة، والنصب على محلِّه، فقد اعتبروا الضمة المقدَّرة في الإتباع، وإنْ كان ذلك فائتاً في اللفظ، وقد يُفَرَّقُ بأنَّ " هؤلاءِ " نحن مضطُّرون فيه إلى تقدير تلْكَ الحركةِ ؛ لأنه مفرد معرفةٌ، فكأنها ملفوظٌ بها بخلافِ تقديرِ الفتحة هنا.
وقال الواحديُّ في " يَا عيسَى " ويجوزُ أن [ يكونَ ] في محلِّ النصب ؛ لأنه في نية الإضافة، ثم جعل الابن توكيداً له، وكل ما كان مثل هذا ؛ جَازَ فيه الوجهانِ ؛ نحو :" يَا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو " ؛ وأنشد :[ الرجز ]
| يَا حَكَمَ بنَ المُنْذِرِ بْنِ الجَارُودْ | أنْتَ الجَوادُ ابْنُ الجَوَادِ ابْنُ الْجُودْ |
بنصب الأول ورفعه على ما بَيَّنَّا، وقال التبريزيُّ : الأظهرُ عندي أنَّ موضع " عِيسَى " نصب ؛ لأنك تجعلُ الاسم مع نعتِه إذا أضفته إلى العلمِ كالشيء الواحد المضافِ، وهذا الذي قالاه لا يُشْبِهُ كلام النحاة أصلاً، بل يقولون : الفتحةُ للإتباعِ، ولم يُعْتَدَّ بالساكنِ ؛ لأنه حاجزٌ غيرُ حَصِينٍ، كذا قال أبو حيان : قال شهاب الدين(٧) : الذي قد قاله الزمخشريُّ - وكونه ليس من النحاة مُكَابَرَةٌ في الضَّرُوريَّاتِ - عند قوله :﴿إذْ قَالَ الحَوَارِيُّونَ : يا عِيسَى ابْنَ مَرْيم﴾ :" عِيسَى في محل النصب على إتباع حركته حركة الابْنِ ؛ كقولك :" يَا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو "، وهي اللغة الفاشيةُ، ويجوزُ أن يكون مضموماً ؛ كقولك " يَا زَيْدُ بْنَ عَمْرٍو "، والدليل عليه قوله :[ المتقارب ]
| أحَارُ بنَ عَمْرٍو كأنِّي خَمِرْ | . . . (٨) |
وقولنا :" المُفْرَد " تحرُّزٌ من المُطَوَّل، وقولنا " المَعْرِفَة " تحرُّز من النكرة ؛ نحو :[ " يا رَجُلاً ابْنَ رَجُلٍ " إذا لم تَقْصِدْ به واحداً بعينه، وقولنا :" الظاهر الضَّمَّةِ " تحرُّزٌ من نحو :] " يَا مُوسَى بْنَ فُلانٍ "، وكالآية الكريمة، وقولنا ب " ابْن " تحرُّزٌ من الوصف بغيره ؛ نحو :" يا زَيْدُ صَاحِبَنَا "، وقولنا :" بين عَلَميْنِ أو اسمَيْن متفقين لفظاً " تحرُّزٌ من نحو :" يَا زَيْدُ [ بْنَ أخِينَا " ]، وقولنا :" غيرَ مَفْصُولٍ " تحرُّزٌ من نحو :" يَا زَيْدُ العَاقِلُ ابْنَ عَمْرٍو " ؛ فإنه لا يجوز في جميع ذلك إلا الضَّمُّ، وقولنا [ " وَصْفٌ " ] تحرُّزٌ من أن يكون الابْنُ خبراً، لا صفة ؛ نحو :" زَيْدٌ ابْنُ عَمْرٍو "، وهل يجوزُ إتباعُ " ابن " له فيُضمُّ نحو :" يا زيد بنُ عمرو " بضم " ابن " ؟ فيه خلافٌ.
وقولنا :" أحْكَام "، وقد تقدَّم منها ما ذكرنَاه من جوازِ فتحهِ إتباعاً، ومنها : حَذْفُ ألفه خَطًّا، ومنها : حَذْفُ تنوينه في غير النداء ؛ لأنَّ المنادى لا تنوينَ فيه وفي قوله :" ابْنَ مريمَ " ثلاثةُ أوجه :
أحدها : أنه صفةٌ ؛ كما تقدَّم، والثاني : أنه بدلٌ، والثالث : أنه بيانٌ ؛ وعلى الوجهين الأخيرَيْن : لا يجوزُ تقديرُ الفتحة إتباعاً ؛ إجماعاً، لأنَّ الابنَ لم يَقَعْ صفةً، وقد تقدَّم أنَّ ذلك شرطٌ.
وأرَادَ بالنِّعْمَة : الجَمْع كقوله :﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ﴾ [النحل: ١٨]، وإنَّمَا جاز ذلك ؛ لأنَّهُ مضافٌ يَصْلُح للجِنْسِ.
فصل
قال القُرْطُبِي(٩) : إنما ذَكَّرَ الله - تبارك وتعالى - عيسَى - عليه الصلاة والسلام - نِعْمَته عليه وعلى وَالِدَتِهِ، وإن كان لَهُمَا ذاكراً لأمرين :
أحدهما : ليتلو على الأمَمِ بما خَصَّصَهَا به من الكرامةِ، ومَيَّزها به من عُلُوِّ المَنْزِلَة.
والثاني : ليُؤكِّد به حُجَّتَه، ويردّ به جَاحِدَهُ، وفَسَّرَ نِعْمَتَهُ عليه بأمور :
أوَّلُها : قوله تعالى :﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ في " إذْ " أربعةُ أوجه :
أحدها : أنه منصوبٌ ب " نِعْمَتِي " ؛ كأنه قيل : اذكُرْ إذْ أنعمْتُ عليْكَ وعلى أمِّكَ في وقت تأييدي لك.
والثاني : أنه بدلٌ من " نِعْمَتِي " بدلُ اشتمال، وكأنه في المعنى يفسِّر النعمة.
والثالث : أنه حالٌ من " نِعْمَتِي "، قاله أبو البقاء(١٠).
والرابع : أن يكون مفعولاً به على السَّعَة، قاله أبو البقاء(١١) - رحمه الله تعالى - أيضاً قال شهاب الدين(١٢) : هذا هو الوجهُ الثاني - أعني البدليةَ -، وقرأ الجمهور " أيَّدتُّكَ " بتشديد الياء، وغيرهم " آيدتُّكَ " وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك في سورة البقرة مُشْبَعاً، ومعنى الآية الكريمة : أي : قَوْمَك بِمَا يَجُوزُ من الأَيْدِ، وهو القُوَّة.
فصل
المرادُ بِرُوحِ القُدُسِ : جبريل - عليه الصلاة والسلام -، والقُدُس : هو اللَّهُ تعالى، كأنَّه أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَعْظِيماً، وقيل : إنَّ الأرْوَاحَ مُخْتَلِفَةٌ بالماهِيَّةِ : فمنها طَاهِرَةٌ نُورَانيَّةٌ، ومنها خَبِيثة ظُلْمانيَّة، ومنها : مُشْرِقَة ومنها كَدِرة، ومنها خَيِّرَةٌ ومنها نَذِلَةٌ ؛ ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام - :" الأرْواح جُنُودُ مُجَنَّدةٌ " (١٣)، فاللَّهُ تعالى خصَّ عيسى - عليه الصلاة والسلام - بالرُّوح الطَّاهِرة النُّورَانِيَّة المُشْرقَة العُلويَّة الخيِّرةِ، ولقائل أن يقول : لما دلَّت هذه الآيَةُ على أنَّ تأييد عيسى إنَّما حَصَلَ من جِبْرِيل، أو بسبَبِ رُوحِهِ المُخْتَصَّةِ، وهذا يَقْدَحُ في دلالةِ المُعْجِزَات على صِدْقِ الرُّسُلِ - عليهم الصلاة والسلام -، ولم تُعْرفُ عِصْمَة الرُّسُل - عليهم السلام - قَبْلَ العِلْمِ بعصْمَةِ جبريل - عليه الصلاة والسلام - فيلزم الدَّوْر.
فالجواب : قال ابن الخطيب(١٤) : ثبت من أصْلِنَا أنَّ الخَالِقَ ليْسَ إلاَّ اللَّهُ، وبه يَنْدَفِعُ السُّؤال.
قوله :﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ معناه : يُكَلِّمُ النَّاس في المَهْدِ صَبِيًّا، وكَهْلاً نبياً.
قال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - : أرسلهُ اللَّهُ وهو ابنُ ثلاثينَ فَمَكَث في رسالته ثلاثين شَهْراً، ثُمَّ إنَّ الله رَفَعَهُ إلَيْهِ(١٥).
قال المُفَسِّرُون : يُكَلِّم النَّاسَ في المَهْد وكَهْلاً، في مَوْضِع الحال، والمعنى : يُكلِّمُ النَّاسَ طِفْلاً وكَهْلاً من غير أن يتفاوت كلامُهُ في هذين الوقْتَيْن، وهذه خَاصَّةٌ شَرِيفَةٌ لم تَحْصُلْ لأحدٍ من الأنْبِيَاء، وقد تقدَّم الكلام في [ الآية ٤٦ ] آل عمران، ما فائدة قوله :﴿فِي المهد وكَهْلاً﴾.
قوله :﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ قيل : الكِتَابُ، الشَّريعةُ، وقيل : الخَطُّ، وأمَّا الكَلِمَةُ فقيل : هي العِلْمُ والفَهْمُ، وذكر التَّوْراة والإنجيلَ بعد الكِتَاب على سَبيلِ التَّشْرِيف، كقوله - تبارك وتعالى - :﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]، وقوله :﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، فإنَّما ذكر التَّوراة والإنجيلَ بعد ذِكْرِ الكتابِ ؛ لأنَّ الاطِّلاع على أسْرَار الكُتُبِ الإلهِيَّة لا يحصلُ إلاَّ لمن كانَ ثَابِتاً في أصْنَافِ الع
١ ينظر: الكشاف ١/٦٩٠..
٢ ينظر: الإملاء ١/٢٣١..
٣ ينظر: الإملاء ١/٢٣١..
٤ ينظر: معاني القرآن ١/٣٢٦..
٥ ينظر: الإملاء ١/٢٣١..
٦ تقدم..
٧ ينظر: الدر المصون ٢/٦٤٥..
٨ صدر البيت لامرئ القيس في ديوانه ص(١٥٤)، وللنمر بن تولب في ملحق ديوانه ص (٤٠٤). خزانة الأدب ١/٣٧٤، الدرر ٥/١٧٩، لسان العرب(أمر) (خمر) (نفس)، المقاصد النحوية ١/٩٥، وينظر: شرح الأشموني ١/١٢، المقتضب ٤/٢٣٤، همع الهوامع ٢/١٤٣، الدر المصون ٢/٦٤٦. وعجزه: ويعدو على المرء ما يأتمر.
ينظر: ما كتبه الشيخ عظيمة في حواشيه على المقتضب في الموضع السابق..
٩ ينظر: تفسير القرطبي ١٢/٢٣٤..
١٠ ينظر: الإملاء ١/٢٣١..
١١ ينظر: المصدر السابق..
١٢ ينظر: الدر المصون ٢/٦٤٦..
١٣ أخرجه البخاري ٦/٤٢٦ كتاب الأنبياء: باب الأرواح جنود مجندة (٣٣٣٦) ومسلم ٤/٢٠٣١ كتاب البر والصلة: بباب الأرواح جنود مجندة (١٥٩-٢٦٣٨)..
١٤ ينظر: تفسير الرازي ١٢/١٠٤..
١٥ تقدم..
٢ ينظر: الإملاء ١/٢٣١..
٣ ينظر: الإملاء ١/٢٣١..
٤ ينظر: معاني القرآن ١/٣٢٦..
٥ ينظر: الإملاء ١/٢٣١..
٦ تقدم..
٧ ينظر: الدر المصون ٢/٦٤٥..
٨ صدر البيت لامرئ القيس في ديوانه ص(١٥٤)، وللنمر بن تولب في ملحق ديوانه ص (٤٠٤). خزانة الأدب ١/٣٧٤، الدرر ٥/١٧٩، لسان العرب(أمر) (خمر) (نفس)، المقاصد النحوية ١/٩٥، وينظر: شرح الأشموني ١/١٢، المقتضب ٤/٢٣٤، همع الهوامع ٢/١٤٣، الدر المصون ٢/٦٤٦. وعجزه: ويعدو على المرء ما يأتمر.
ينظر: ما كتبه الشيخ عظيمة في حواشيه على المقتضب في الموضع السابق..
٩ ينظر: تفسير القرطبي ١٢/٢٣٤..
١٠ ينظر: الإملاء ١/٢٣١..
١١ ينظر: المصدر السابق..
١٢ ينظر: الدر المصون ٢/٦٤٦..
١٣ أخرجه البخاري ٦/٤٢٦ كتاب الأنبياء: باب الأرواح جنود مجندة (٣٣٣٦) ومسلم ٤/٢٠٣١ كتاب البر والصلة: بباب الأرواح جنود مجندة (١٥٩-٢٦٣٨)..
١٤ ينظر: تفسير الرازي ١٢/١٠٤..
١٥ تقدم..