الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
قال عيسى عند ذلك ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ تَكُونُ﴾ حال ردّ إلى الاستقبال أي كائنة، وذلك كقوله
﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٥-٦] يعني يصدقني في قراءة من رفع.
وقرأ عبد اللّه والأعمش : تكن لنا بالجزم على جواب الدعاء.
﴿عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ أي عائداً من علينا وحجة وبرهاناً والعيد اسم لما اعتد به وعاد إليك من كل شيء، ومنه قيل : أيام الفطر والأضحى عيد لأنهما يعودان كل سنة.
ويقال : لطيف الخيال عيد.
قال الشاعر :
يا عيد مالك من شوق وإيراقومرّ طيف على الأهوال طراق
فقال آخر :
اعتاد قلبك من جبينك عودشق عناك فأنت عنه تذود
وأنشد الفراء :
فوا كبدي من لاعج الحب والهوىإذا اعتاد قلبي من أميمة عيدها
وأصله عود بالواو ولأنه من عاد يعود إذا رجع فقلبت الواو بالكسرة ما قبلها مثل النيران والميقات والميعاد.
قال السدي : معناه نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا.
وقال سفيان : نصلي فيه.
وقال الخليل بن أحمد : العيد كل يوم مجمع كأنهم عادوا إليه.
وقال ابن الأنصاري : سمي العيد عيداً للعود من الترح إلى الفرح، فهو يوم سرور للخلق كلهم، ألا ترى أن المسجونين لا يطالبون ولا يعاقبون ولا تصطاد فيه الوحوش والطيور ولا ينفذ الصبيان إلى المكتب، وقيل : سمي عيداً لأن كل إنسان يعود إلى قدر منزلته، ألا ترى اختلاف ملابسهم وأحوالهم وأفعالهم، فمنهم من يضيف، ومنهم من يضاف، ومنهم من يظلم، ومنهم من يرحم، وقيل : سمي بذلك لأنه يوم شريف فاضل تشبيهاً بالعيد، وهو فحل نجيب كريم ومشهور في العرب وينسبون إليه فيقال : إبل عيدية. قال الراعي :
عيد به طويت على زفراتهاطي القناطر قد نزلن نزولا
وقوله ﴿لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ يعني قبل زماننا ولمن يجيء بعدنا.
وقرأ زيد بن ثابت : لأولنا وآخرنا على الجميع.
وقال ابن عباس : يعني نأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم.
﴿وَآيَةً مِّنْكَ﴾ دلالة وحجة، ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللَّهُ﴾ مجيباً لعيسى ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى