كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني
عن الكتاب
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ ياعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـاهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ أوَّلُ هذه الآيةِ معطوفٌ على قولهِ :﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ ياعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾[المائدة: ١١٠] ويجوزُ أن يكون عَائداً على ما تقدَّم من قولهِ :﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾[المائدة: ١٠٩] كأنه قالَ : إذ يقولُ الله يومَ القيامةِ، وفي آخرِ السُّورة ما يدلُّ على هذا، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ اللَّهُ هَـاذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾[المائدة: ١١٩] وذكرَ اللفظَ على صيغةِ الماضي ؛ لتحقُّقِِ أمرهِ كأنه قد وقَعَ وشُوهِدَ، ونظيرهُ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾[الأعراف: ٤٤] وقوله :﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ﴾[إبراهيم: ٢٢] أي سيَقُولُ.
وقال السديُّ وقطرب :(إنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِعِيسَى عليه السلام هَذا الْقَوْلَ حِينَ رَفَعَهُ)، واحتجَّا بقولهِ :﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾[المائدة: ١١٨]، ولا خلافَ أنَّ الله لا يَغفِرُ لِمُشرِكٍ ماتَ على شِركهِ، وإنما معنى الآية : وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ بتَوْبَتِهِمْ.
وقال أكثرُ المفسِّرين : إنَّما يقولُ الله تعالى هذه المقالةَ يوم القيامةِ، بدليلِ ما ذكَرنا من قولهِ :﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾[المائدة: ١٠٩]، ﴿يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾[المائدة: ١١٩]، فإن قالوا (إذْ) للماضي، قُلنا قد تكون بمعنى (إذا) كقوله :﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ﴾[سبأ: ٥١] أي إذا فَزِعوا.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ يعني أأنتَ قُلتَ لَهم في الدُّنيا :﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـاهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؟ فإنْ قيلَ : ما وجهُ سؤالِ الله تعالى لعيسَى مع علمهِ بأنه لم يقُلْ ؟ قِيْلَ : ذلكَ توبيخٌ لقومِ عيسى وتحذيرٌ لهم عن هذه المقالةِ. وَقِيْلَ : أرادَ الله بذلك أن يُقِرَّ عيسَى بالعبوديَّة على نفسهِ، فيظهرُ منه تكذيبُهم بذلك، فيكون حجَّةً عليهم.
قال أبو رَوْقٍ وميسرةَ :(إذْ قَالَ اللهُ لِعِيسَى عليه السلام : أأنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ ؟ ارْتَعَدَتْ مَفَاصِلُهُ، وَانْفَجَرَتْ مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ مِنْ جَسَدِهِ عَيْنٌ مِنَ الدَّمِ).
ثُمَّ يَقُولُ عِيسَى عليه السلام مُجيباً اللهَ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ ؛ أي تَنزيهاً لكَ يا رب، ما ينبغِي لي أن أدَّعي شيئاً لستُ بجديرٍ له، ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ ؛ عندي وما في ضَمِيري، وما كان منِّي في الدُّنيا، ﴿وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ؛ غَيبكَ، ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ ؛ لا يعلمُ الغيبَ أحدٌ غيرُكَ. وَقِيْلَ : معناهُ : تعلمُ ما أريدُ، ولا أعلمُ ما تريدُ، ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ أي ما كانَ وما يكون.
وأمَّا ذِكْرُ النفسِ في قوله :﴿وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ فعلى من أوجُه الكلامِ : بأن الغيبَ من اللهِ تعالى في حُكمِ الضميرِ من الآدميِّين، والنَّفْسُ في كلامِ العرب على ضُروب ؛ تُذكَرُ ويرادُ بها ذاتُ الشيءِ، كما يقالُ : جاءَني زيدٌ نفسُه ؛ أي ذاتهُ، وقتَلَ فلانٌ نفسَهُ، وأهلَكَ فلان نفسَهُ، ويرادُ بذلك الذاتُ بكمالِها.
وقال السديُّ وقطرب :(إنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِعِيسَى عليه السلام هَذا الْقَوْلَ حِينَ رَفَعَهُ)، واحتجَّا بقولهِ :﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾[المائدة: ١١٨]، ولا خلافَ أنَّ الله لا يَغفِرُ لِمُشرِكٍ ماتَ على شِركهِ، وإنما معنى الآية : وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ بتَوْبَتِهِمْ.
وقال أكثرُ المفسِّرين : إنَّما يقولُ الله تعالى هذه المقالةَ يوم القيامةِ، بدليلِ ما ذكَرنا من قولهِ :﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾[المائدة: ١٠٩]، ﴿يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾[المائدة: ١١٩]، فإن قالوا (إذْ) للماضي، قُلنا قد تكون بمعنى (إذا) كقوله :﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ﴾[سبأ: ٥١] أي إذا فَزِعوا.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ يعني أأنتَ قُلتَ لَهم في الدُّنيا :﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـاهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؟ فإنْ قيلَ : ما وجهُ سؤالِ الله تعالى لعيسَى مع علمهِ بأنه لم يقُلْ ؟ قِيْلَ : ذلكَ توبيخٌ لقومِ عيسى وتحذيرٌ لهم عن هذه المقالةِ. وَقِيْلَ : أرادَ الله بذلك أن يُقِرَّ عيسَى بالعبوديَّة على نفسهِ، فيظهرُ منه تكذيبُهم بذلك، فيكون حجَّةً عليهم.
قال أبو رَوْقٍ وميسرةَ :(إذْ قَالَ اللهُ لِعِيسَى عليه السلام : أأنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ ؟ ارْتَعَدَتْ مَفَاصِلُهُ، وَانْفَجَرَتْ مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ مِنْ جَسَدِهِ عَيْنٌ مِنَ الدَّمِ).
ثُمَّ يَقُولُ عِيسَى عليه السلام مُجيباً اللهَ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ ؛ أي تَنزيهاً لكَ يا رب، ما ينبغِي لي أن أدَّعي شيئاً لستُ بجديرٍ له، ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ ؛ عندي وما في ضَمِيري، وما كان منِّي في الدُّنيا، ﴿وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ؛ غَيبكَ، ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ ؛ لا يعلمُ الغيبَ أحدٌ غيرُكَ. وَقِيْلَ : معناهُ : تعلمُ ما أريدُ، ولا أعلمُ ما تريدُ، ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ أي ما كانَ وما يكون.
وأمَّا ذِكْرُ النفسِ في قوله :﴿وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ فعلى من أوجُه الكلامِ : بأن الغيبَ من اللهِ تعالى في حُكمِ الضميرِ من الآدميِّين، والنَّفْسُ في كلامِ العرب على ضُروب ؛ تُذكَرُ ويرادُ بها ذاتُ الشيءِ، كما يقالُ : جاءَني زيدٌ نفسُه ؛ أي ذاتهُ، وقتَلَ فلانٌ نفسَهُ، وأهلَكَ فلان نفسَهُ، ويرادُ بذلك الذاتُ بكمالِها.