فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَإِذْ قَالَ الله﴾ معطوف على ما قبله في محل نصب بعامله أو بعامل مقدّر، هنا : أي اذكر. وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذا القول منه سبحانه هو يوم القيامة. والنكتة توبيخ عباد المسيح وأمه من النصارى. وقال السديّ وقطرب : إنه قال له هذا القول عند رفعه إلى السماء، لما قالت النصارى فيه ما قالت، والأوّل أولى : قيل ﴿وَإِذْ﴾ هنا بمعنى إذا كقوله تعالى :﴿وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ﴾ أي إذا فزعوا، وقول أبي النجم :
ثم جزاك الله عني إذ جزىجنات عدن في السموات العلى
أي إذا جزى، وقول الأسود بن جعفر الأسدي :
في الآن إذ هازلتهنّ فإنمايقلن ألا لم يذهب الشيخ مذهبا
أي إذا هازلتهنّ تعبيراً عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقيق وقوعه. وقد قيل في توجيه هذا الاستفهام منه تعالى إنه لقصد التوبيخ كما سبق. وقيل : لقصد تعريف المسيح بأن قومه غيروا بعده وادّعوا عليه ما لم يقله. وقوله :﴿مِن دُونِ الله﴾ متعلق بقوله :﴿اتخذوني﴾ على أنه حال : أي متجاوزين الحدّ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف هو صفة لإلهين، أي كائنين من دون الله. قوله :﴿سبحانك﴾ تنزيه له سبحانه، أي أنزهك تنزيهاً ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ﴾ أي ما ينبغي لي أن أدّعي لنفسي ما ليس من حقها ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ ردّ ذلك إلى علمه سبحانه، وقد علم أنه لم يقله، فثبت بذلك عدم القول منه. قوله :﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ هذه الجملة في حكم التعليل لما قبلها : أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك، وهذا الكلام من باب المشاكلة كما هو معروف عند علماء المعاني والبيان. وقيل المعنى : تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك. وقيل تعلم ما أخفيه ولا أعلم ما تخفيه. وقيل : تعلم ما أريد ولا أعلم ما تريد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية قال : يقول الله هذا يوم القيامة، ألا ترى أنه يقول :﴿هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ﴾. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السديّ قال : قال الله ذلك لما رفع عيسى إليه، وقالت النصارى ما قالت.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله :﴿أَنِ اعبدوا الله رَبّي وَرَبَّكُمْ﴾ قال : سيدي وسيدكم. وأخرج ابن المنذر، عنه في قوله :﴿كُنتَ أَنتَ الرقيب عَلَيْهِمْ﴾ قال : الحفيظ. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال : قال النبيّ ﷺ :﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ قال :«ما كنت فيهم». وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ يقول : عبيدك قد استوجبوا العذاب بمقالتهم ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي من تركت منهم ومدّ في عمره حتى أهبط من السماء إلى الأرض لقتل الدجال، فزالوا عن مقالتهم ووحدوك ﴿فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه في قوله :﴿هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ﴾ يقول : هذا يوم ينفع الموحدين توحيدهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى