فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَلَقَدْ أَخَذَ الله﴾ كلام مستأنف يتضمن ذكر بعض ما صدر من بني إسرائيل من الخيانة. وقد تقدّم بيان الميثاق الذي أخذه الله عليهم. واختلف المفسرون في كيفية بعث هؤلاء النقباء، بعد الإجماع منهم على أن النقيب كبير القوم العالم بأمورهم الذي ينقب عنها وعن مصالحهم فيها، والنَّقَّابُ : الرجل العظيم الذي هو في الناس على هذه الطريقة، ويقال نقيب القوم لشاهدهم وضمينهم. والنقيب : الطريق في الجبل هذا أصله، وسمي به نقيب القوم لأنه طريق إلى معرفة أمورهم. والنقيب : أعلى مكاناً من العريف، فقيل المراد ببعث هؤلاء النقباء، أنهم بعثوا أمناء على الإطلاع على الجبارين، والنظر في قوّتهم ومنعتهم فساروا ليختبروا حال من بها ويخبروا بذلك، فاطلعوا من الجبارين على قوّة عظيمة وظنوا أنهم لا قبل لهم بها، فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك عن بني إسرائيل، وأن يعلموا به موسى، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فأخبروا قراباتهم، ففشا الخبر حتى بطل أمر الغزو، وقالوا ﴿اذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ وقيل إن هؤلاء النقباء كفل كل واحد منهم على سبطه بأن يؤمنوا ويتقوا الله، وهذا معنى بعثهم، وسيأتي ذكر بعض ما قاله جماعة من السلف في ذلك.
قوله :﴿وَقَالَ الله إِنّى مَعَكُمْ﴾ أي : قال ذلك لبني إسرائيل، وقيل للنقباء ؛ والمعنى : إني معكم بالنصر والعون، واللام في قوله :﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة﴾ هي : الموطئة للقسم المحذوف، وجوابه :﴿لأكَفّرَنَّ﴾ وهو سادّ مسدّ جواب الشرط. والتعزير : التعظيم والتوقير، وأنشد أبو عبيدة :
وكم من ماجد لهم كريمومن ليث يعزر في الندّى
أي يعظم ويوقر. ويطلق التعزير على الضرب والردّ، يقال عزّرت فلاناً : إذا أدّبته ورددته عن القبيح، فقوله :﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أي : عظمتموهم على المعنى الأوّل، أو رددتم عنهم أعداءهم ومنعتموهم على الثاني. قوله ﴿وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ أي : أنفقتم في وجوه الخير، و ﴿قَرْضًا﴾ مصدر محذوف الزوائد، كقوله تعالى :﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ أو مفعول ثان لأقرضتم. والحسن : قيل هو ما طابت به النفس ؛ وقيل ما ابتغى به وجه الله ؛ وقيل الحلال. قوله :﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك﴾ أي : بعد الميثاق أو بعد الشرط المذكور، ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل﴾ أي : أخطأ وسط الطريق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله :﴿وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسرائيل﴾ قال : أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره ﴿وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً﴾ أي : كفيلاً كفلوا عليهم بالوفاء لله بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله :﴿اثني عَشَرَ نَقِيباً﴾ قال : من كل سبط من بني إسرائيل رجال أرسلهم موسى إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كمّ أحدهم اثنان منهم، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس منهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس أو أربعة، فرجع النقباء كلهم ينهى سبطه عن قتالهم، إلا يوشع بن نون، وكالب بن يافنة، فإنهما أمرا الأسباط بقتال الجبارين، ومجاهدتهم فعصوهما وأطاعوا الآخرين، فهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما، فتاهت بنو إسرائيل أربعين سنة، يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا في تيههم ذلك، فضرب موسى الحجر لكل سبط عيناً حجراً لهم يحملونه معهم، فقال لهم موسى : اشربوا يا حمير، فنهاه الله عن سبهم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿اثني عَشَرَ نَقِيباً﴾ قال : هم من بني إسرائيل بعثهم موسى لينظروا إلى المدينة، فجاءوا بحبة من فاكهتهم، وقر رجل، فقال : اقدروا قوّة قوم وبأسهم وهذه فاكهتهم، فعند ذلك فتنوا فقالوا لا نستطيع القتال ﴿فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ وقد ذكر ابن إسحاق أسماء هؤلاء الأسباط، وأسماؤهم مذكورة في السفر الرابع من التوراة، وفيه مخالفة لما ذكره ابن إسحاق. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ قال : أعنتموهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله :﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ قال : نصرتموهم.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله :﴿فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم﴾ قال : هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه. وأخرج ابن جرير عنه في قوله :﴿يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه﴾ يعني حدود الله، يقولون إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه، وإن خالفكم فاحذروا، وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿وَنَسُواْ حَظَّا مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ قال : نسوا الكتاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله :﴿وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَائِنَةٍ مّنْهُمْ﴾ قال : هم يهود مثل الذي هموا به من النبي ﷺ يوم دخل عليهم حائطهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله :﴿وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَائِنَةٍ مّنْهُمْ﴾ قال : كذب وفجور، وفي قوله :﴿فاعف عَنْهُمْ واصفح﴾ قال : لم يؤمر يومئذ بقتالهم، فأمره الله أن يعفو عنهم ويصفح، ثم نسخ ذلك في براءة فقال ﴿قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر﴾ الآية. وأخرج أبو عبيد وابن جرير، وابن المنذر عن إبراهيم النخعي في قوله :﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضاء إلى يَوْمِ القيامة﴾ قال : أغرى بعضهم ببعض بالخصومات والجدال في الدين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى