جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقّ إِذْ قَرّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبّلْ مِنَ الآخر قَالَ لأقْتُلَنّكَ قَالَ إِنّمَا يَتَقَبّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتّقِينَ﴾. .
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : واتل على هؤلاء اليهود الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليكم، عليك وعلى أصحابك معك، وعرّفهم مكروه عاقبة الظلم والمكر، وسوء مغبة الجور ونقض العهد، وما جزاء الناكث وثواب الوافي، خَبَرَ ابني آدم هابيل وقابيل، وما آل إليه أمر المطيع منهما ربه الوافي بعهده، وما إليه صار أمر العاصي منهما ربه الجائر الناقض عهده فلتعرف بذلك اليهود وخامة غبّ غدرهم، ونقضهم ميثاقهم بينك وبينهم، وهمهم بما هموا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك. فإن لك ولهم في حسن ثوابي وعظم جزائي على الوفاء بالعهد الذي جازيت المقتول الوافيَ بعهده من ابني آدم، وعاقبت به القاتل الناكث عهده عزاء جميلاً.
واختلف أهل العلم في سبب تقريب ابني آدم القربان، وسبب قبول الله عزّ وجلّ ما تقبل منه، ومن اللذان قرّبا ؟ فقال بعضهم : كان ذلك عن أمر الله جلّ وعزّ إياهما بتقريبه. وكان سبب القبول أن المتقبل منه قرب خير ماله وقرّب الاَخر شرّ ماله، وكان المقرّبان ابني آدم لصلبه أحدهما : هابيل، والآخر قابيل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى بن إبراهيم، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن هشام بن سعيد، عن إسماعيل بن رافع، قال : بلغني أن ابني آدم لما أمرا بالقربان، كان أحدهما صاحب غنم، وكان أُنِتج له حَمَل في غنمه، فأحبه حتى كان يؤثره بالليل، وكان يحمله على ظهره من حبه، حتى لم يكن له مال أحبّ إليه منه فلما أمر بالقربان، قرّبه لله فقبله الله منه، فما زال يرتع في الجنة حتى فدَى به ابن إبراهيم ﷺ.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو، قال : إن ابني آدم اللذين قرّبا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الاَخر، كان أحدهما صاحب حرث، والاَخر صاحب غنم، وأنهما أمرا أن يقرّبا قربانا وإن صاحب الغنم قرّب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه، وإن صاحب الحرث قرّب شرّ حرثه الكَوْزَن والزّوَان غير طيبة بها نفسه وإن الله تقبل قربان صاحب الغنم ولم يتقبل قربان صاحب الحرث. وكان من قصتهما ما قصّ الله في كتابه، وقال : ايْمُ الله إن كان المقتول لأشدّ الرجلين، ولكن منعه التحرّج أن يبسط يده إلى أخيه
وقال آخرون : لم يكن ذلك من أمرهما عن أمر الله إياهما به. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين فيتصدّق عليه، وإنما كان القربان يقربه الرجل. فبَيْنا ابنا آدم قاعدان، إذ قالا : لو قربنا قربانا وكان الرجل إذا قرّب قربانا فرضيه الله أرسل إليه نارا فأكلته، وإن لم يكن رضيه الله خبت النار. فقرّبا قربانا، وكان أحدهما راعيا، وكان الاَخر حراثا، وإن صاحب الغنم قرّب خير غنمه وأسمنها وقرّب الاَخر أبغض زرعه، فجاءت النار، فنزلت بينهما، فأكلت الشاة وتركت الزرع. وإن ابن آدم قال لأخيه : أتمشي في الناس وقد علموا أنك قرّبت قربانا فتقبل منك وردّ عليّ ؟ فلا والله، لا تنظر الناس إليّ وإليك وأنت خير مني فقال : لأقتلنك فقال له أخوه : ما ذنبي، إنما يتقبل الله من المتقين.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، قال : حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : إذْ قَرَبا قُرْبانا قال : ابنا آدم هابيل وقابيل لصلب آدم، فقرّب أحدهما شاة وقرّب الاَخر بقلاً، فقبل من صاحب الشاة، فقتله صاحبه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد في قوله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَم بِالَحّق إذْ قَرّبا قُرْبانا قال : هابيل وقابيل، فقرب هابيل عَنَاقا من أحسن غنمه، وقرّب قابيل زرعا من زرعه. قال : فأكلت النار العناق، ولم تأكل الزرع، ف قال لأَقْتُلَنّكَ قَالَ إنّما يَتَقَبّلُ اللّهُ مِنَ المُتّقِينَ.
حدثني الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا رجل سمع مجاهدا في قوله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَم بِالَحّق إذْ قَرّبا قُرْبانا قال : هو هابيل وقابيل لصلب آدم، قرّبا قربانا، قرب أحدهما شاة من غنمه وقرّب الاَخر بقلاً، فتقبل من صاحب الشاة، فقال لصاحبه : لأقتلنك فقتله، فعقل الله إحدى رجليه بساقها إلى فخذها إلى يوم القيامة، وجعل وجهه إلى الشمس حيثما دارت عليه حظيرة من ثلج في الشتاء وعليه في الصيف حظيرة من نار، ومعه سبعة أملاك كلما ذهب ملك جاء الاَخر.
حدثنا سفيان، قال : حدثنا أبي، عن سفيان ( ح ). وحدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن ابن عباس : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَم بِالَحّق إذْ قَرّبا قُرْبانا فَتُقُبّلَ مِنْ أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبّلْ مِنَ الاَخَرِ قال : قرّب هذا كبشا وقرّب هذا صُبْرة من طعام فتقبل من أحدهما. قال : تقبّل من صاحب الشاة ولم يتقبل من الاَخر.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَم بِالَحّق إذْ قَرّبا قُرْبانا فَتُقُبّلَ مِنْ أحَدهِما وَلمْ يُتَقَبّلْ مِنَ الاَخَرِ كان رجلان من بني آدم، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الاَخر.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبيد الله، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَم بالحق قال : كان أحدهما اسمه قابيل والاَخر هابيل أحدهما صاحب غنم، والاَخر صاحب زرع، فقرّب هذا من أمثل غنمه حَمَلاً، وقرّب هذا من أردإ زرعه. قال : فنزلت النار، فأكلت الحَمَل، فقال لأخيه : لأقتلنك
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل : أن آدم أمر ابنه قابيل أن ينكح أخته توأمة هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته توأمة قابيل. فسلم لذلك هابيل ورضى، وأبي قابيل ذلك وكرهه، تكرما عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال : نحن ولادة الجنة وهما من ولادة الأرض، وأنا أحقّ بأختي ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل : كانت أخت قابيل من أحسن الناس، فضنّ بها على أخيه وأرادها لنفسه، فالله أعلم أيّ ذلك كان. فقال له أبوه : يا بنيّ إنها لا تحلّ لك فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، فقال له أبوه : يا بنيّ فقرّب قربانا، ويقرّب أخوك هابيل قربانا، فأيكما قبل الله قربانه فهو أحقّ بها. وكان قابيل على بَذْر الأرض، وكان هابيل على رعاية الماشية، فقرّب قابيل قمحا وقرّب هابيل أبكارا من أبكار غنمه وبعضهم يقول : قرّب بقرة فأرسل الله نارا بيضاء، فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، فيما ذكر عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس. وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبيّ ﷺ : كان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، فكان يزوّج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الاَخر، ويزوّج جارية هذا البطن غلام البطن هذا الاَخر. حتى ولد له ابنان يقال لهما : قابيل، وهابيل، وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع. وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل. وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال : هي أخت ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحقّ أن أتزوّجها. فأمره أبوه أن يزوّجها هابيل فأبى. وإنهما قرّبا قربانا إلى الله أيهما أحقّ بالجارية، وكان آدم يومئذ قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها، قال الله لاَدم : يا آدم، هل تعلم أن لي بيتا في الأرض ؟ قال : اللهمّ لا قال : فإن لي بيتا بمكة فأته فقال آدم للسماء : احفظي ولدي بالأمانة، فأبت. وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، وقال لقابيل، فقال : نعم تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرّك. فلما انطلق آدم قرّبا قربانا، وكان قابيل يفخر عليه، فقال : أنا أحقّ بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصيّ والديّ. فلما قرّبا، قرّب هابيل جذعة سمينة، وقرّب قابيل حُزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها فأكلها. فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب وقال : لأقتلنك حتى لا تنكح أختي فقال هابيل إنّمَا يَتَقَبّلُ اللّهُ مِنَ المُتّقِينَ.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَم بِالَحّق ذكر لنا أنهما هابيل وقابيل. فأما هابيل فكان صاحب ماشية، فعمد إلى خير ماشيته، فتقرّب بها، فنزلت عليه نار فأكلته. وكان القربان إذا تقبل منهم نزلت عليه نار فأكلته، وإذا ردّ عليهم أكلته الطير والسباع. وأما قابيل فكان صاحب زرع، فعمد إلى أردإ زرعه، فتقرّب به، فلم تنزل عليه النار، فحسد أخاه عند ذلك فقال : لأقتلنك قالَ إنّمَا يَتَقَبّلُ اللّهُ مِنَ المُتّقِينَ.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَم بِالَحّقّ قال : هما قابيل وهابيل. قال : كان أحدهما صاحب زرع والاَخر صاحب ماشية، فجاء أحدهما بخير ماله وجاء الاَخر بشرّ ماله، فجاءت النار، فأكلت قربان أحدهما وهو هابيل، وتركت قربان الاَخر، فحسده فقال : لأقتلنك
حدثنا سفيان، قال : حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد : إذْ قَرّبا قُرْبانا قال : قرّب هذا زرعا وذا عناقا، فتركت النار الزرع وأكلت العناق.
وقال آخرون : اللذان قرّبا قربانا وقصّ الله عزّ ذكره قصصهما في هذه الآية، رجلان من بني إسرائيل لا من ولد آدم لصلبه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن، قال : كان الرجلان اللذان في القرآن، اللذان قال الله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَم بِالَحّق من بين إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القربان في بني إسرائيل، وكان آدم أوّل من مات.
وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، أن اللذين قرّبا القربان كان ابني آدم لصلبه، لا من ذريته من بني إسرائيل. وذلك أن الله عزّ وجلّ يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة، والمخاطبون بهذه الاَية كانوا عالمين أن تقريب القربان لله لم يكن إلا في ولد