البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
ثم قال له أخوه هابيل :﴿لئن بسطت إليَّ يدك لتقتلني ما أنا بباسطٍ يَدِيَ إليك لأقتلك إني أخاف الله ربّ العالمين﴾ أي : لئن بدأتني بالقتل لم أبدأك به، أو لم أدفعك عني، وهل تركه للدفع تورع، وهو الظاهر أو كان واجبًا عندهم، وهو قول مجاهد ؟ وأما في شرعنا : فيجوز الدفع، بل يجب، قاله ابن جزي. وقال البيضاوي : قيل : كان هابيل أقوى منه، فتحرج عن قتله، واستسلم له خوفًا من الله، لأن الدفع لم يُبح بعدُ، أو تحريًا لِمَا هو الأفضل. قال صلى الله عليه وسلم :" كُن عبدَ الله المقتُول، ولا تكُن عبدَ الله القاتل " (١) وإنما قال :﴿ما أنا بباسط﴾ في جواب ﴿لئن بسطت﴾ ؛ للتبري من هذا الفعل الشنيع، والتحرز من أن يوصف به، ولذلك أكد النفي بالباء. ه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : قد تضمنت هذه الآية من طريق الإشارة ثلاث خصال، يجب التحقق بها على كل مؤمن متوجه إلى الله تعالى : أولها : التطهير من رذيلة الحسد، لاذي هو أول معصية ظهرت في السماء والأرض، وقد تقدم الكلام عليه في النساء(١)، الثانية : التطهير من الشرك الجلي والخفي، والتغلغل في التبري من الذنوب التي توجب عدم قبول الإعمال، ويتحصل ذلك بتحقيق الإخلاص، والثالثة : عدم الانتصار للنفس والدفع عنها إلا فيما وجب شرعًا، فقد قالوا :( الصوفي دمه هدر، وماله مباح ) ؛ فلا ينتصر لنفسه ولو بالدعاء، فإما أن يسكت، أو يدعوا لظالمه بالرحمة والهداية، حتى يأخذ الله بيده اقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم، حيث قال " اللهم اغفِر لِقَومي فَإنَّهُم لا يَعلَمُونَ(٢).
١ أخرجه أحمد في المسند ٥/١١٠..