تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك﴾ قال بعض الناس : إن الواجب علينا أن نفعل مثل فعل أولئك، لا ينبغي لمن أراد أحد قتله أن يقتله، ولكن يمتنع عن ذلك على ما امتنع أحد ابني آدم حين قال له :﴿ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك﴾ واحتجوا في ذلك بأخبار رويت : روي عن أبي موسى الأشعري [ أنه قال ] : كان رسول الله ﷺ يقول :«إذا توجه المسلمان بسيفهما، فقتل أحدهما صاحبه، فهما في النار، فقيل : يا رسول الله :[ هذا القاتل، فما بال ] المقتول ؟ فقال : إنه أراد أن يقتل صاحبه » [ ابن ماجة : ٣٩٦٤ ].
وعن سعيد بن مالك رضي الله عنه [ أنه ] قال : قال رسول الله ﷺ :«إن استطعت أن تكون عبد الله، ولا تقتل أحدا من أهل القتلة فافعل » [ أحمد٥/٢٩٢ ].
وعن الحسن رضي الله عنه [ أنه ] قال : قال رسول الله ﷺ :«كيف تصنع يا أبا ذر إذا كان بالمدينة قتل بغير حجارة ؟ قال : قلت : ألبس سلاحي، قال : شاركت القوم إذن، قال : قلت : كيف أصنع يا رسول الله ؟ قال : إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ناحية ثوبك على وجهك حتى يبوء بإثمك وإثمه » [ أبو داوود : ٤٢٦١ ]. يحتجون بمثل هذه الأخبار.
وقال آخرون : له أن يقاتل إذا لم يتعظ صاحبه بالله، وأراد قتله، فهو في سعة من قتل من يريد أن يبتديه بالقتل استدلالا بما أمر الله تعالى بقتال أهل البغي كقوله تعالى :﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات: ٩] فصار الحكم في أمتنا ما أمرهم الله به من قتال البغاة لأن الله تعالى قال :﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ [المائدة: ٤٨]. على أن قتال المشركين كان محظورا في أول مبعث النبي ﷺ وقبل ذلك بأوقات. وقالوا : فغير منكر أن يكون الوقت الذي ذكره الله في هذه الآية كان قتال المشركين، وتجريد السيف فيه محظورا، فأذن الله في قتالهم وقتال أهل البغي، فصار الحكم في أمتنا ما أمر الله به من قتال البغاة والمشركين، والله أعلم.
وأما ما احتجوا به من الأخبار التي رويت من اقتتال المسلمين وأشباهها فإن ذلك، والله أعلم، ما احتجوا به من الأخبار التي رويت في حال الفتن وقتال الفئتين اللتين لا إمام فيهما يستحق الإمامة لحمية أو أمر جاهلية أو عصبية، فهما على خطأ. فالصواب في مثله ما ذكر من الأخبار.
وأما إذا كان للناس إمام هدى، فعقدوا له البيعة، فخرجت عليه خارجة ظالمة، فقتالهم واجب اتباعا لعلي رضي الله عليه ومن حارب معه من أصحاب رسول الله ﷺ أهل البغي والخوارج، فهو كان لإجماع لأن جميع الطوائف قد حاربوهم. ورويت في ذلك آثار كثيرة عن رسول الله ﷺ إلى هذا يذهب من رأى قتل من يهم به قبله.
وعن سعيد بن مالك رضي الله عنه [ أنه ] قال : قال رسول الله ﷺ :«إن استطعت أن تكون عبد الله، ولا تقتل أحدا من أهل القتلة فافعل » [ أحمد٥/٢٩٢ ].
وعن الحسن رضي الله عنه [ أنه ] قال : قال رسول الله ﷺ :«كيف تصنع يا أبا ذر إذا كان بالمدينة قتل بغير حجارة ؟ قال : قلت : ألبس سلاحي، قال : شاركت القوم إذن، قال : قلت : كيف أصنع يا رسول الله ؟ قال : إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ناحية ثوبك على وجهك حتى يبوء بإثمك وإثمه » [ أبو داوود : ٤٢٦١ ]. يحتجون بمثل هذه الأخبار.
وقال آخرون : له أن يقاتل إذا لم يتعظ صاحبه بالله، وأراد قتله، فهو في سعة من قتل من يريد أن يبتديه بالقتل استدلالا بما أمر الله تعالى بقتال أهل البغي كقوله تعالى :﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات: ٩] فصار الحكم في أمتنا ما أمرهم الله به من قتال البغاة لأن الله تعالى قال :﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ [المائدة: ٤٨]. على أن قتال المشركين كان محظورا في أول مبعث النبي ﷺ وقبل ذلك بأوقات. وقالوا : فغير منكر أن يكون الوقت الذي ذكره الله في هذه الآية كان قتال المشركين، وتجريد السيف فيه محظورا، فأذن الله في قتالهم وقتال أهل البغي، فصار الحكم في أمتنا ما أمر الله به من قتال البغاة والمشركين، والله أعلم.
وأما ما احتجوا به من الأخبار التي رويت من اقتتال المسلمين وأشباهها فإن ذلك، والله أعلم، ما احتجوا به من الأخبار التي رويت في حال الفتن وقتال الفئتين اللتين لا إمام فيهما يستحق الإمامة لحمية أو أمر جاهلية أو عصبية، فهما على خطأ. فالصواب في مثله ما ذكر من الأخبار.
وأما إذا كان للناس إمام هدى، فعقدوا له البيعة، فخرجت عليه خارجة ظالمة، فقتالهم واجب اتباعا لعلي رضي الله عليه ومن حارب معه من أصحاب رسول الله ﷺ أهل البغي والخوارج، فهو كان لإجماع لأن جميع الطوائف قد حاربوهم. ورويت في ذلك آثار كثيرة عن رسول الله ﷺ إلى هذا يذهب من رأى قتل من يهم به قبله.