اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
والمقصودُ : بيان عُيُوب بني إسرائيل، وشدَّة تَمَرُّدهم عن الوفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ، وهذا مُتعلِّقٌ بأوَّلِ السُّورة، وهو قولُه تعالى :﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
قوله تعالى :﴿كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ﴾ : قد تقدَّم الكلامُ [ الآية ٢٠ من البقرة ] على " كُلَّمَا " مشبَعاً، فأغْنَى عن إعادته، وقال الزمخشريُّ :" كُلَّمَا جاءَهُمْ رسولٌ " جملةٌ شرطيةٌ وقعت صفةٌ ل " رُسُلاً "، والراجعٌ محذوفٌ، أي :" رسولٌ منهُمْ "، ثم قال :" فإنْ قلتَ : أينَ جوابُ الشرط، فإنَّ قوله :﴿فَرِيقاً كَذَّبُواْ وفرِيقاً يقتُلُونَ﴾ ناب عن الجواب ؛ لأنَّ الرسولَ الواحدَ لا يكون فريقَيْن ؛ ولأنه لا يحسُن أن تقول :" إنْ أكْرَمْتَ أخِي، أخَاك أكْرَمْتُ " ؟ قلتُ : هو محذوفٌ ؛ يَدُلُّ عليه قوله :﴿فَرِيقاً كَذَّبُواْ، وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾، كأنه قيل : كلما جاءهم رسولٌ، ناصَبُوه، وقوله :" فَرِيقاً كَذَّبُوا " جوابٌ مستأنفٌ لقائلٍ يقول : كيف فعلُوا برسُلِهِمْ ؟ " قال أبو حيان(١) :" وليس " كُلَّمَا " شرطاً، بل " كُلَّ " منصوبٌ على الظرف و " مَا " مصدريةٌ ظرفيةٌ، ولم يجزم العربُ ب " كُلَّمَا " أصلاً، ومع تسليم أن " كُلَّمَا " شرط ؛ فلا يمتنع ؛ لما ذكر، أمّا الأول ؛ فلأنَّ المرادَ ب " رَسُول " الجنسُ لا واحدٌ بعينه، فيصحُّ انقسامُه إلى فريقَيْن ؛ نحو :" لا أصْحَبُكَ ما طَلَع نَجْمٌ " أي : جنس النجوم، وأما الثاني ؛ فيعني أنه لا يجوزُ تقديمُ معمولِ جوابِ الشرط عليه ". وهذا الذي منعه إنما منعه الفرَّاءُ وحدَه، وأما غيرُه، فأجاز ذلك، وهذا مع تسليم أنَّ " كُلَّمَا " شرط، وأمَّا إذا مشينا على أنَّها ظرفيةٌ، فلا حاجة إلى الاعتذارِ عن ذلك، ولا يمتنعُ تقديمُ معمولِ الفعلِ العاملِ في " كُلَّمَا " تقول :" كُلَّمَا جِئْتَنِي أخَاكَ أكْرَمْتُ "، قال شهاب الدين : هذا واضحٌ من أنها ليستْ شرطاً، وهذه العبارةُ تكثُرُ في عبارة الفقهاءِ دُونَ النُّحَاةِ، وفي عبارة أبي البقاء(٢) ما يُشْعر بما قاله الزمخشريُّ، فإنه قال :" وَكَذَّبُوا " جواب " كُلَّمَا " و " فَرِيقاً " مفعول ب " كَذَّبُوا "، و " فَرِيقاً " منصوب ب " يَقْتُلُونَ "، وإنما قدَّمَ مفعول " يَقْتُلُونَ " لتواخي رؤوس الآي، وقدَّم مفعولَ " كَذَّبُوا " مناسبةً لما بعده.
قال الزمخشريُّ(٣) :" فإنْ قلت : لِمَ جِيءَ بأحد الفعلَيْن ماضياً، وبالآخر مضارعاً ؟ قلتُ : جِيء ب " يَقْتُلُونَ " على حكايةِ الحالِ الماضية ؛ استفظاعاً للقتلِ، واستحضاراً لتلْكَ الحالِ الشنيعةِ ؛ للتعجُّبِ منها ". انتهى، وقد يقال : فلِمَ لا حُكِيَتْ حالُ التكْذيبِ أيضاً، فيُجَاءُ بالفعْلِ مضارعاً لذلك ؟ ويجَابُ بأنَّ الاستفظاع في القتلِ وشناعَتِهِ أكثرُ من فظاعةِ التكذيبِ، وأيضاً ؛ فإنه لمَّا جيء به مضارعاً ناسب رؤوس الآي.
١ ينظر: البحر المحط ٣/٥٤١..
٢ ينظر: الإملاء ١/٢٢٢..
٣ ينظر: الكشاف ١/٦٦٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى