اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله - سبحانه - :﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الآية.
لما ذَكَر التَّكَالِيفُ أرْدَفَهُ بما يُوجِبُ عَلَيْهِمْ القبُول والانْقِيَاد، وذلك مِن وَجْهَيْن :
الأوَّلُ : كَثْرَةُ نِعَم اللَّهِ عَلَيْهِم ؛ لأنَّ كَثْرَة النِّعَمِ تُوجِبُ على المُنْعِمِ عَلَيْه الاشْتِغَالَ بِخِدْمَةِ المُنْعمِ، والانْقِيَاد لأوَامِرِه ونَوَاهِيه.
وقال :" نِعْمَةَ اللَّه " ولمْ يَقُلْ " نِعَم اللَّهِ " ؛ لأنَّ هذا الجِنْسَ لا يَقْدِرُ عَلَيْه غير اللَّه ؛ لأنَّ نِعْمَة الحَيَاةِ، والصِّحَّة، والعَقْل، والهِدَايَةِ، والصَّوْن من الآفَاتِ، وإيصَال الخَيْرَاتِ في الدُّنْيَا والآخِرَة شيء لا يَعْلَمُهُ إلاَّ الله تعالى، وإنَّما المُرادُ [ التَّأمُّل ](١) في هذا النَّوْع مِن حَيْثُ إنَّهُ مُمْتَازٌ عن نِعْمَةِ غَيْرِهِ.
والوجه الثاني في السببِ المُوجبِ للانْقِيَادِ للتَّكَالِيفِ : هُوَ المِيثَاقُ الذي واثَقَكُمْ بِهِ.
فإن قِيلَ :[ قوله ](٢) ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ مشعِرٌ بسَبْقِ(٣) النِّسْيَان : وكَيْفَ يُمْكِن نِسْيَانُها [ مع أنها ](٤) مُتَوَاتِرَةٌ متَوالِيَةٌ [ علينا ](٥) في جَميعِ السَّاعَاتِ والأوْقَاتِ ؟ فالجَوابُ : أنَّها لِكَثْرتها وتعاقُبها صارتْ كالأمْرِ المُعْتَاد، فصارت غَلَبَةُ ظُهُورِهَا وكَثْرتها سَبباً لِوُقوعِهَا مَحَلَّ النِّسْيَان(٦).

فصل في تفسير الميثاق


اختَلَفُوا في تَفْسِير هذا الميثاقِ، فقال أكْثَرُ المُفَسِّرين(٧) : هو العَهْدُ الذي عَاهَدَ اللَّه عَلَيْه المُؤمنين حين بَايَعُوا رَسُول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرَّف وكرم - تَحْتَ الشَّجَرَةِ وغَيْرها على أن يكُونُوا على السَّمْعِ والطاعَةِ في [ المَحْبُوبُ والمكروه ](٨) ؛ وأضَافَ الميثاقَ الصَّادِر عن الرَّسُول إلى نَفْسِهِ، كقوله تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وأكَّدَ ذَلِكَ بأنَّهم التزمُوا وقالُوا :" سَمِعْنَا وأطَعْنَا "، ثم حذَّرَهم عن نَقْضِ تِلْك العُهُود فلا تَعْزِمُوا بقلوبكم على نَقْضِهَا، فاللَّهُ يَعْلَم ذلك، وكَفَى به مُجَازِياً.
وقال ابْنُ عَبَّاسٍ : هو المِيثاقُ الذي أخذه اللَّه على بَنِي إسْرائِيل حين قالُوا : آمَنَّا بالتَّوْرَاة وبكُلِّ ما فيها، وكان من جُمْلة ما في التَّوْرَاةِ البِشَارَةُ بمقدم مُحَمَّد - عليه الصلاة والسلام (٩)-.
وقال مُجَاهِدٌ والكَلْبِي ومقاتلٌ : هو المِيثَاقُ الذي أخَذَهُ منهم حِين أخْرَجَهم من ظَهْر آدَم، وأشْهَدَهُمْ على أنْفسِهم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، قَالُوا : ْ بَلَى﴾(١٠).
وقال السّديّ : المُرَاد بالمِيثاقِ : الدَّلائل العَقْلِيَّة والشَّرْعِية التي نَصَبَها اللَّهُ على التَّوْحِيدِ والشَّرائعِ(١١).
قوله تعالى :﴿إِذْ قُلْتُمْ [ سَمِعْنَا ](١٢)، في " إذْ " ثلاثةُ أوْجُه :
أظهرها : أنَّهُ مَنْصوب ب " وَاثَقَكُمْ ".
الثاني : أنَّهُ مَنْصَوبٌ على الحَالِ من الهَاءِ في " بِهِ ".
الثالث : أنَّهُ حال من [ " ميثاقِهِ " ](١٣)، وعلى هذَيْن الوَجْهَيْن الأخيريْن يتعلَّقُ بمحذُوفٍ على القاعِدَة المُقَرَّرَةِ.
و " قُلْتُم " في محلّ خَفْضٍ بالظَّرْف، و " سَمِعْنَا " في محلِّ نَصْبٍ بالقَوْلِ.
١ سقط في أ..
٢ سقط في أ..
٣ في ب: يشعر سبق..
٤ في أ: هي..
٥ في أ: عليها..
٦ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٤١..
٧ ينظر: المصدر السابق..
٨ في ب: المكروه والمحبوب..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٤٨١) والطبراني في "الكبير" كما في "مجمع الزوائد"(٧/١٧) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٤٦٩) وعزاه للطبري والطبراني وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/١٧) وعلي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس..
١٠ أخرجه الطبري في "تفسيره"(٤/٤٨١) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٢/٤٦٩) وزاد نسبته لابن المنذر وعبد بن حميد..
١١ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير"(١١/١٤٢) عن السدي..
١٢ سقط في أ..
١٣ سقط في أ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى