فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿نِعْمَةَ الله﴾ قيل : هي الإسلام. والميثاق : العهد. قيل : المراد به هنا : ما أخذه على بني آدم كما قال :﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى آدَمَ﴾ الآية. قال مجاهد وغيره : نحن وإن لم نذكره فقد أخبرنا الله به. وقيل : هو خطاب لليهود، والعهد : ما أخذه عليهم في التوراة. وذهب جمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم، إلى أنه العهد الذي أخذه النبي ﷺ ليلة العقبة عليهم، وهو السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأضافه تعالى إلى نفسه ؛ لأنه عن أمره وإذنه، كما قال :﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾، وبيعة العقبة مذكورة في كتب السير، وهذا متصل بقوله ﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾. قوله ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي وفت قولكم هذا القول، وهذا متعلق بواثقكم، أو بمحذوف وقع حالاً أي كائناً هذا الوقت. و ﴿ذَاتُ الصدور﴾ : ما تخفيه الصدور لكونها مختصة بها لا يعلمها أحد. ولهذا أطلق عليها ذات التي بمعنى الصاحب، وإذا كان سبحانه عالماً بها، فكيف بما كان ظاهراً جلياً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، والطبراني في الكبير، عن ابن عباس في قوله :﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ يعني حين بعث الله النبي ﷺ، وأنزل عليه الكتاب قالوا آمناً بالنبيّ والكتاب، وأقررنا بما في التوراة، فذكرهم الله ميثاقه الذي أقرّوا به على أنفسهم وأمرهم بالوفاء به. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال : النعم : الآلاء، ﴿وميثاقه الذي واثقهم به﴾، قال : الذي واثق به بني آدم، في ظهر آدم عليه السلام.
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير، في قوله :﴿يا أيها الذين آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط﴾ الآية. قال : نزلت في يهود خيبر، ذهب إليهم رسول الله ﷺ يستفتيهم في دية، فهموا أن يقتلوه، فذلك قوله :﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَن لا تَعْدِلُواْ﴾ الآية. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل، عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ، نزل منزلاً فتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي ﷺ سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيفه فأخذه فسله، ثم أقبل على رسول الله ﷺ فقال : من يمنعك مني ؟ قال :«الله»، قال الأعرابي : مرتين أو ثلاثاً من يمنعك مني ؟ والنبي ﷺ يقول :«الله»، فشام الأعرابي السيف، فدعا النبي ﷺ أصحابه فأخبرهم بصنيع الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه. قال معمر : وكان قتادة يذكر نحو هذا. ويذكر أن قوماً من العرب أرادوا أن يفتكوا بالنبي، فأرسلوا هذا الأعرابي، ويتأوّل :﴿اذكروا الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية. وأخرج الحاكم وصححه عنه بنحوه، وذكر أن اسم الرجل غورث بن الحارث، وأنه لما قال النبي ﷺ «الله» سقط السيف من يده، فأخذه النبي وقال :«من يمنعك مني ؟» قال : كن خير آخذ، قال : فشهد أن لا إله إلا الله. وأخرجه أيضاً ابن إسحاق وأبو نعيم في الدلائل عنه.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن ابن عباس : أن بني النضير هموا أن يطرحوا حجراً على النبي ﷺ ومن معه، فجاء جبريل فأخبره بما هموا، فقام ومن معه، فنزلت :﴿يَأَيُّهَا الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَت الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْم﴾ الآية، وروى نحو هذا من طرق عن غيره، وقصة الأعرابي وهو غورث المذكور ثابتة في الصحيح.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى