اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :" ولو كانوا " : الظاهرُ أنَّ اسم " كَانَ " وفاعل " اتَّخَذُوهُمْ " عائدٌ على " كَثِيراً " من قوله :﴿تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ﴾، والضميرُ المنصوب في " اتَّخَذُوهمْ " يعودُ على " الَّذِينَ كَفَرُوا " في قوله :﴿يَتوَلَّوْنَ الذين كفرُوا﴾.
والمعنى : لوْ كانُوا يُؤمِنُون بِاللَّه، والنَّبِيِّ، وهو مُوسَى عليه الصلاة والسلام، وما أُنْزِلَ إليهِ ما اتَّخَذُوا المُشْركين أوْلِيَاء ؛ لأنَّ تَحْريمَ ذلك مُتَأكدٌ في التَّوْرَاة، وفي شَرْع مُوسَى ﷺ، فلمَّا فَعَلُوا ذلك، ظَهَرَ أنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُمْ تَقْرِير دين مُوسى - عليه الصلاة والسلام - بل مرادُهُمُ الرِّياسَةُ والجَاهُ، ويسعونَ في تَحْصيلهِ بأيِّ طريقٍ قدروا عليه، وبهذا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بالفِسْقِ، فقالَ تعالى :﴿وَلَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
وأجاز القفَّالُ أن يكون اسم " كَانَ " يعودُ على " الَّذِينَ كَفَروا "، وكذلك الضميرُ المنصوبُ في " اتَّخَذُوهُمْ "، والضميرُ المرفوعُ في " اتَّخَذُوهُمْ " يعودُ على اليهود، والمرادُ بالنبيِّ [ محمدٌ ] ﷺ والتقديرُ : ولو كان الكافرون المُتَولَّوْنَ مؤمنينَ بمحمَّدٍ والقرآنِ، ما اتخذَهُمْ هؤلاء اليهودُ أولياءَ، والأولُ أوْلَى ؛ لأن الحديثَ عن كثيرٍ، لا عن المتولَّيْنَ، وجاء جواب " لَوْ " هنا على الأفصحِ، وهو عدمُ دخولِ اللام عليه ؛ لكونه منفيًّا ؛ ومثله قول الآخر :[ البسيط ]
لَوْ أنَّ بالعْلمِ تُعْطَى مَا تَعِيشُ بهلَمَا ظَفِرْت مِنَ الدُّنْيَا بِثُفْرُوقِ(١)
وقوله تعالى :﴿ولكنَّ كثيراً منهُمْ﴾ هذا الاستدراكُ واضحٌ بما تقدَّم، وقوله تعالى :" كَثِيراً " هو من إقامةِ الظاهرِ مقام المضمر ؛ لأنه عبارةٌ عن " كَثِيراً منهم " المتقدِّم ؛ فكأنه قيل : تَرَى كثيراً مِنْهُمْ، ولكنَّ ذلك الكَثِيرَ، ولا يريدُ، ولكنَّ كثيراً من ذلك الكَثِيرِ فَاسِقُون.
١ ينظر: البحر ٣/٥٥٠، والدر المصون ٢/٥٨٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى