الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي
عن الكتاب
أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ « ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله » وفي لفظ :« إلا حدَّث نفسه بقتله ».
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ﴿ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾ قال : هم الوفد الذين جاؤوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال : ما ذكر الله به النصارى قال : هم ناس من الحبشة آمنوا إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين، فذلك لهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والواحدي من طريق ابن شهاب قال : أخبرني سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعروة بن الزبير قالوا « بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري، وكتب معه كتاباً إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله ﷺ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفر بن أبي طالب أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ عليهم سورة مريم، فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنزل فيهم ﴿ولتجدن أقربهم مودة﴾ إلى قوله ﴿مع الشاهدين﴾.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن جبير في قوله ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً﴾ قال : هم رسل النجاشي الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلاً اختارهم من قومه الخيِّر الخيِّر، فالخير في الفقه والسن، وفي لفظ : بعث من خيار أصحابه إلى رسول الله ﷺ ثلاثين رجلاً، فلما أتوا رسول الله ﷺ دخلوا عليه، فقرأ عليهم سورة يس، فبكوا حين سمعوا القرآن، وعرفوا أنه الحق، فأنزل الله فيهم ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً. .﴾ الآية. ونزلت هذه الآية فيهم أيضاً ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ [القصص: ٥٢] إلى قوله ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ [القصص: ٥٤].
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال « ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في الذين أقبلوا مع جعفر من أرض الحبشة، وكان جعفر لحق بالحبشة هو وأربعون معه من قريش، وخمسون من الأشعريين، منهم أربعة من عك، أكبرهم أبو عامر الأشعري وأصغرهم عامر، فذكر لنا أن قريشاً بعثوا في طلبهم عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد، فأتوا النجاشي فقالوا : إن هؤلاء قد أفسدوا دين قومهم، فأرسل إليهم فجاؤوا فسألهم، فقالوا : بعث الله فينا نبياً كما بعث في الأمم قبلنا يدعوننا إلى الله وحده، ويأمرنا بالمعروف وينهانا عن المنكر، ويأمرنا بالصلة، وينهانا عن القطيعة، ويأمرنا بالوفاء، وينهانا عن النكث، وإن قومنا بغوا علينا، وأخرجونا حين صدقناه وآمنا به، فلم نجد أحد نلجأ إليه غيرك فقال : معروفاً. فقال عمرو وصاحبه : إنهم يقولون في عيسى غير الذي تقول. قال : وما تقولون في عيسى ؟ قالوا : نشهد أنه عبد الله ورسوله، وكلمته وروحه، ولدته عذراء بتول. قال : ما أخطأتم، ثم قال لعمرو وصاحبه : لولا أنكما أقبلتما في جواري لفعلت بكما، وذكر لنا أن جعفر وأصحابه إذ أقبلوا جاء أولئك معهم فآمنوا بمحمد ﷺ. قال قائل : لو قد رجعوا إلى أرضهم لحقوا بدينهم، فحدثنا أنه قدم مع جعفر سبعون منهم، فلما قرأ عليهم نبي الله ﷺ، فاضت أعينهم ».
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال « كان رسول الله ﷺ وهو بمكة يخاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبي طالب، وابن مسعود، وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة، فلما بلغ المشركين بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم، ذكروا أنهم سبقوا أصحاب النبي ﷺ إلى النجاشي، فقالوا : إنه قد خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها، زعم أنه نبي وأنه بعث إليك رهطاً ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم. قال : إن جاؤوني نظرت فيما يقولون، فلما قدم أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا إلى باب النجاشي فقالوا : استأذن لأولياء الله ؟ فقال : ائذن لهم فمرحباً بأولياء الله، فلما دخلوا عليه سلموا فقال الرهط من المشركين : ألم تر أيها الملك أنا صدقناك وأنهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيى بها ؟. . . فقال لهم : ما يمنعكم أن تحيوني بتحيتي ؟ قالوا : إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة. فقال لهم : ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه ؟ قالوا : يقول عبد الله ورسوله، وكلمة من الله، وروح منه ألقاها إلى مريم، ويقول في مريم : إنها العذراء الطيبة البتول. قال : فأخذ عوداً من الأرض فقال : ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم هذا العود، فكره المشركون قوله وتغير لون وجوههم، فقال : هل تقرأون شيئاً مما أنزل عليكم ؟ قالوا : نعم. قال : فاقرأوا وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى، فجعلت طائفة من القسيسين والرهبان كلما قرأوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق. قال الله ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾ ".
وأخرج الطبراني عن سلمان في إسلامه قال :" لما قدم النبي الله ﷺ المدينة صنعت طعاماً، فجئت به فقال : ما هذا ؟ قلت : صدقة. فقال لأصحابه : كلوا ولم يأكل، ثم إني رجعت حتى جمعت طعاماً فأتيته به فقال : ما هذا ؟ قلت : هدية. فأكل وقال لأصحابه : كلوا. قلت يا رسول الله، أخبرني عن النصارى ؟ قال : لا خير فيهم ولا فيمن أحبهم، فقمت وأنا مثقل، فأنزل الله ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود﴾ حتى بلغ ﴿تفيض من الدمع﴾ فأرسل إلىَّ رسول الله ﷺ فقال لي : يا سلمان، إن أصحابك هؤلاء الذين ذكر الله ".
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ﴿ولتجدن أقربهم مودة. . .﴾ الآية. قال : أناس من أهل الكتاب، كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى يؤمنون به وينتهون إليه، فلما بعث الله محمداً صدقوه وآمنوا به وعرفوا ما جاء به من الحق أنه من الله، فأثنى عليهم بما تسمعون.
وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة في مسنده وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والحارث بن أبي أسامة في مسنده والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبزار وابن الأنباري في المصاحف وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن سلمان " أنه سئل عن قوله ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً﴾ قال : الرهبان الذين في الصوامع، نزلت على رسول الله ﷺ ﴿ذلك بأن منهم صديقين ورهباناً﴾ ولفظ البزار دع القسيسين ؛ أقرأني رسول الله ﷺ ﴿ذلك بأن منهم صديقين﴾ ولفظ الحكيم الترمذي : قرأت على النبي ﷺ ﴿ذلك بأن منهم قسيسين﴾ فأقرأني ﴿ذلك بأن منهم صديقين﴾.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن سلمان قال : كنت يتيماً من رامهرمز، وكان ابن دهقان رامهرمز يختلف إلى معلم يعلمه، فلزمته لأكون في كنفه وكان لي أخ أكبر مني، وكان مستغنياً في نفسه، وكنت غلاماً فقيراً، فكان إذا قام من مجلسه تفرق من يحفظه، فإذا تفرقوا خرج، فتقنع بثوبه ثم صعد الجبل، فكان يفعل ذلك غير مرة متنكراً قال : فقلت أما أنك تفعل كذا وكذا، فلم لا تذهب بي معك ؟ قال : أنت غلام وأخاف أن يظهر منك شيء. قال : قلت لا تخف. قال : فإن في هذا الجبل قوماً في برطيل لهم عبادة وصلاح، يذكرون الله عز وجل ويذكرون الآخرة، يزعمون أنا عبدة النيران وعبدة الأوثان، وأنا على غير دين. قلت : فاذهب بي معك إليهم. قال : لا أقدر على ذلك حتى أستأمرهم، وأنا أخاف أن يظهر منك شيء فيعلم أبي فيقتل القوم فيجري هلاكهم على يدي. قال : قلت لن يظهر مني ذلك، فاستأمرهم فقال : غلام عندي يتيم فأحب أن يأتيكم ويسمع كلامكم، قالوا : إن كنت تثق به. قال : أرجو أن لا يجيء منه إلا ما أحب.
قالوا : فجيء به. فقال لي : قد استأذنت القوم أن تجيء معي، فإذا كانت الساعة التي رأيتني أخرج فيها فأتني ولا يعلم بك أحد، فإن أبي إن علم قتلهم. قال : فلما كانت الساعة التي يخرج تبعته، فصعد الجبل فانتهينا إليهم فإذا هم في برطيلهم. قال : علي. وأراه قال : هم ستة أو سبعة. قال : وكانت الروح قد خرجت منهم من العبادة، يصومون النهار ويقومون الليل، يأكلون الشجر وما وجدوا، فقعدنا إليهم فأثنى ابن الدهقان عليَّ خيراً، فتكلموا فحمدوا الله وأثنوا عليه، وذكروا من مضى من الرسل والأنبياء حتى خلصوا إلى عيسى ابن مريم، قالوا : بعثه الله وولده بغير ذكر، بعثه الله رسوله، وسخر له ما كان يفعل من إحياء الموتى، وخلق الطير، وابراء الأعمى والأبرص، فكفر به قوم وتبعه قوم. وإنما كان عبد الله ورسوله ابتلى به خلقه. قال : وقالوا قبل ذلك : يا غلام، إن لك رباً، وإن لك معاداً، وإن بين يديك جنة وناراً إليها تصير، وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة لا يرضى الله بما يصنعون وليسوا على دين، فلما حضرت الساعة التي ينصرف فيها الغلام انصرف وانصرفت معه، ثم غدونا إليهم فقالوا مثل ذلك وأحسن، فلزمتهم فقالوا : يا غلام، إنك غلام، وإنك لا تستطيع أن تصنع كما نصنع، فكل واشرب وصل ونم.
قال : فاطلع الملك على صنيع ابنه، فركب الخيل حتى أتاهم في برطيلهم، فقال : يا هؤلاء، قد جاورتموني فأحسنت جواركم ولم تروا مني سوءاً، فعمدتم إلى ابني فأفسدتموه عليَّ، قد أجلتكم ثلاثاً، فإن قدرت عليكم بعد ثلاث أحرقت عليكم برطيلكم هذا فالحقوا ببلادكم، فإني أكره أن يكون مني إليكم سوء.
قالوا : نعم، ما تعمدنا إساءتك، ولا أردنا إلا الخير، فكفَّ ابنه عن إتيانهم فقلت له : اتق الله، فإنك تعرف أن هذا الدين دين الله، وأن أباك ونحن على غير دين، إنما هم عبدة النيران لا يعرفون الله، فلا تبع آخرتك بدنيا غيرك. قال : يا سلمان، هو كما تقول، وإنما أتخلف عن القوم بقيا عليهم إن اتبعت القوم يطلبني أبي في الخيل، وقد جزع من إتياني إياهم حتى طردهم، وقد أعرف أن الحق في أيديهم. قلت : أنت أعلم، ثم لقيت أخي فعرضت عليه فقال : أنا مشتغل بنفسي وطلب المعيشة، فأتيتهم في اليوم الذي أرادوا أن يرتحلوا فيه فقالوا : يا سلمان، قد كنا نحذر، فكان ما رأيت، اتق الله واعلم أن الدين ما أوصيناك به، وإن هؤلاء عبدة النيران لا يعرفون الله ولا يذكرونه، فلا يخدعنَّك أحد عن ذلك. قلت : ما أنا بمفارقكم.
قالوا : إنك لا تقدر على أن تكون معنا، نحن نصوم النهار ونقوم الليل ونأكل الشجر وما أصبنا، وأنت لا تستطيع ذلك. قال : قلت : لا أفارقكم. قالوا : أنت أعلم قد أعلمناك حالنا فإذا أبيت فاطلب أحداً يكون معك، واحمل معك شيئاً تأكله لا تستطيع ما نستطيع نحن. قال : ففعلت، فلقيت أخي فعرضت عليه فأبى، فأتيتهم فتحمَّلوا فكانوا يمشون وأمشي معهم، فرزقنا الله السلامة حتى أتينا الموصل، فأتينا بيعه بالموصل، فلما دخل
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ﴿ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾ قال : هم الوفد الذين جاؤوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال : ما ذكر الله به النصارى قال : هم ناس من الحبشة آمنوا إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين، فذلك لهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والواحدي من طريق ابن شهاب قال : أخبرني سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعروة بن الزبير قالوا « بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري، وكتب معه كتاباً إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله ﷺ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفر بن أبي طالب أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ عليهم سورة مريم، فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنزل فيهم ﴿ولتجدن أقربهم مودة﴾ إلى قوله ﴿مع الشاهدين﴾.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن جبير في قوله ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً﴾ قال : هم رسل النجاشي الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلاً اختارهم من قومه الخيِّر الخيِّر، فالخير في الفقه والسن، وفي لفظ : بعث من خيار أصحابه إلى رسول الله ﷺ ثلاثين رجلاً، فلما أتوا رسول الله ﷺ دخلوا عليه، فقرأ عليهم سورة يس، فبكوا حين سمعوا القرآن، وعرفوا أنه الحق، فأنزل الله فيهم ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً. .﴾ الآية. ونزلت هذه الآية فيهم أيضاً ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ [القصص: ٥٢] إلى قوله ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ [القصص: ٥٤].
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال « ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في الذين أقبلوا مع جعفر من أرض الحبشة، وكان جعفر لحق بالحبشة هو وأربعون معه من قريش، وخمسون من الأشعريين، منهم أربعة من عك، أكبرهم أبو عامر الأشعري وأصغرهم عامر، فذكر لنا أن قريشاً بعثوا في طلبهم عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد، فأتوا النجاشي فقالوا : إن هؤلاء قد أفسدوا دين قومهم، فأرسل إليهم فجاؤوا فسألهم، فقالوا : بعث الله فينا نبياً كما بعث في الأمم قبلنا يدعوننا إلى الله وحده، ويأمرنا بالمعروف وينهانا عن المنكر، ويأمرنا بالصلة، وينهانا عن القطيعة، ويأمرنا بالوفاء، وينهانا عن النكث، وإن قومنا بغوا علينا، وأخرجونا حين صدقناه وآمنا به، فلم نجد أحد نلجأ إليه غيرك فقال : معروفاً. فقال عمرو وصاحبه : إنهم يقولون في عيسى غير الذي تقول. قال : وما تقولون في عيسى ؟ قالوا : نشهد أنه عبد الله ورسوله، وكلمته وروحه، ولدته عذراء بتول. قال : ما أخطأتم، ثم قال لعمرو وصاحبه : لولا أنكما أقبلتما في جواري لفعلت بكما، وذكر لنا أن جعفر وأصحابه إذ أقبلوا جاء أولئك معهم فآمنوا بمحمد ﷺ. قال قائل : لو قد رجعوا إلى أرضهم لحقوا بدينهم، فحدثنا أنه قدم مع جعفر سبعون منهم، فلما قرأ عليهم نبي الله ﷺ، فاضت أعينهم ».
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال « كان رسول الله ﷺ وهو بمكة يخاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبي طالب، وابن مسعود، وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة، فلما بلغ المشركين بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم، ذكروا أنهم سبقوا أصحاب النبي ﷺ إلى النجاشي، فقالوا : إنه قد خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها، زعم أنه نبي وأنه بعث إليك رهطاً ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم. قال : إن جاؤوني نظرت فيما يقولون، فلما قدم أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا إلى باب النجاشي فقالوا : استأذن لأولياء الله ؟ فقال : ائذن لهم فمرحباً بأولياء الله، فلما دخلوا عليه سلموا فقال الرهط من المشركين : ألم تر أيها الملك أنا صدقناك وأنهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيى بها ؟. . . فقال لهم : ما يمنعكم أن تحيوني بتحيتي ؟ قالوا : إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة. فقال لهم : ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه ؟ قالوا : يقول عبد الله ورسوله، وكلمة من الله، وروح منه ألقاها إلى مريم، ويقول في مريم : إنها العذراء الطيبة البتول. قال : فأخذ عوداً من الأرض فقال : ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم هذا العود، فكره المشركون قوله وتغير لون وجوههم، فقال : هل تقرأون شيئاً مما أنزل عليكم ؟ قالوا : نعم. قال : فاقرأوا وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى، فجعلت طائفة من القسيسين والرهبان كلما قرأوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق. قال الله ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾ ".
وأخرج الطبراني عن سلمان في إسلامه قال :" لما قدم النبي الله ﷺ المدينة صنعت طعاماً، فجئت به فقال : ما هذا ؟ قلت : صدقة. فقال لأصحابه : كلوا ولم يأكل، ثم إني رجعت حتى جمعت طعاماً فأتيته به فقال : ما هذا ؟ قلت : هدية. فأكل وقال لأصحابه : كلوا. قلت يا رسول الله، أخبرني عن النصارى ؟ قال : لا خير فيهم ولا فيمن أحبهم، فقمت وأنا مثقل، فأنزل الله ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود﴾ حتى بلغ ﴿تفيض من الدمع﴾ فأرسل إلىَّ رسول الله ﷺ فقال لي : يا سلمان، إن أصحابك هؤلاء الذين ذكر الله ".
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ﴿ولتجدن أقربهم مودة. . .﴾ الآية. قال : أناس من أهل الكتاب، كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى يؤمنون به وينتهون إليه، فلما بعث الله محمداً صدقوه وآمنوا به وعرفوا ما جاء به من الحق أنه من الله، فأثنى عليهم بما تسمعون.
وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة في مسنده وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والحارث بن أبي أسامة في مسنده والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبزار وابن الأنباري في المصاحف وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن سلمان " أنه سئل عن قوله ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً﴾ قال : الرهبان الذين في الصوامع، نزلت على رسول الله ﷺ ﴿ذلك بأن منهم صديقين ورهباناً﴾ ولفظ البزار دع القسيسين ؛ أقرأني رسول الله ﷺ ﴿ذلك بأن منهم صديقين﴾ ولفظ الحكيم الترمذي : قرأت على النبي ﷺ ﴿ذلك بأن منهم قسيسين﴾ فأقرأني ﴿ذلك بأن منهم صديقين﴾.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن سلمان قال : كنت يتيماً من رامهرمز، وكان ابن دهقان رامهرمز يختلف إلى معلم يعلمه، فلزمته لأكون في كنفه وكان لي أخ أكبر مني، وكان مستغنياً في نفسه، وكنت غلاماً فقيراً، فكان إذا قام من مجلسه تفرق من يحفظه، فإذا تفرقوا خرج، فتقنع بثوبه ثم صعد الجبل، فكان يفعل ذلك غير مرة متنكراً قال : فقلت أما أنك تفعل كذا وكذا، فلم لا تذهب بي معك ؟ قال : أنت غلام وأخاف أن يظهر منك شيء. قال : قلت لا تخف. قال : فإن في هذا الجبل قوماً في برطيل لهم عبادة وصلاح، يذكرون الله عز وجل ويذكرون الآخرة، يزعمون أنا عبدة النيران وعبدة الأوثان، وأنا على غير دين. قلت : فاذهب بي معك إليهم. قال : لا أقدر على ذلك حتى أستأمرهم، وأنا أخاف أن يظهر منك شيء فيعلم أبي فيقتل القوم فيجري هلاكهم على يدي. قال : قلت لن يظهر مني ذلك، فاستأمرهم فقال : غلام عندي يتيم فأحب أن يأتيكم ويسمع كلامكم، قالوا : إن كنت تثق به. قال : أرجو أن لا يجيء منه إلا ما أحب.
قالوا : فجيء به. فقال لي : قد استأذنت القوم أن تجيء معي، فإذا كانت الساعة التي رأيتني أخرج فيها فأتني ولا يعلم بك أحد، فإن أبي إن علم قتلهم. قال : فلما كانت الساعة التي يخرج تبعته، فصعد الجبل فانتهينا إليهم فإذا هم في برطيلهم. قال : علي. وأراه قال : هم ستة أو سبعة. قال : وكانت الروح قد خرجت منهم من العبادة، يصومون النهار ويقومون الليل، يأكلون الشجر وما وجدوا، فقعدنا إليهم فأثنى ابن الدهقان عليَّ خيراً، فتكلموا فحمدوا الله وأثنوا عليه، وذكروا من مضى من الرسل والأنبياء حتى خلصوا إلى عيسى ابن مريم، قالوا : بعثه الله وولده بغير ذكر، بعثه الله رسوله، وسخر له ما كان يفعل من إحياء الموتى، وخلق الطير، وابراء الأعمى والأبرص، فكفر به قوم وتبعه قوم. وإنما كان عبد الله ورسوله ابتلى به خلقه. قال : وقالوا قبل ذلك : يا غلام، إن لك رباً، وإن لك معاداً، وإن بين يديك جنة وناراً إليها تصير، وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة لا يرضى الله بما يصنعون وليسوا على دين، فلما حضرت الساعة التي ينصرف فيها الغلام انصرف وانصرفت معه، ثم غدونا إليهم فقالوا مثل ذلك وأحسن، فلزمتهم فقالوا : يا غلام، إنك غلام، وإنك لا تستطيع أن تصنع كما نصنع، فكل واشرب وصل ونم.
قال : فاطلع الملك على صنيع ابنه، فركب الخيل حتى أتاهم في برطيلهم، فقال : يا هؤلاء، قد جاورتموني فأحسنت جواركم ولم تروا مني سوءاً، فعمدتم إلى ابني فأفسدتموه عليَّ، قد أجلتكم ثلاثاً، فإن قدرت عليكم بعد ثلاث أحرقت عليكم برطيلكم هذا فالحقوا ببلادكم، فإني أكره أن يكون مني إليكم سوء.
قالوا : نعم، ما تعمدنا إساءتك، ولا أردنا إلا الخير، فكفَّ ابنه عن إتيانهم فقلت له : اتق الله، فإنك تعرف أن هذا الدين دين الله، وأن أباك ونحن على غير دين، إنما هم عبدة النيران لا يعرفون الله، فلا تبع آخرتك بدنيا غيرك. قال : يا سلمان، هو كما تقول، وإنما أتخلف عن القوم بقيا عليهم إن اتبعت القوم يطلبني أبي في الخيل، وقد جزع من إتياني إياهم حتى طردهم، وقد أعرف أن الحق في أيديهم. قلت : أنت أعلم، ثم لقيت أخي فعرضت عليه فقال : أنا مشتغل بنفسي وطلب المعيشة، فأتيتهم في اليوم الذي أرادوا أن يرتحلوا فيه فقالوا : يا سلمان، قد كنا نحذر، فكان ما رأيت، اتق الله واعلم أن الدين ما أوصيناك به، وإن هؤلاء عبدة النيران لا يعرفون الله ولا يذكرونه، فلا يخدعنَّك أحد عن ذلك. قلت : ما أنا بمفارقكم.
قالوا : إنك لا تقدر على أن تكون معنا، نحن نصوم النهار ونقوم الليل ونأكل الشجر وما أصبنا، وأنت لا تستطيع ذلك. قال : قلت : لا أفارقكم. قالوا : أنت أعلم قد أعلمناك حالنا فإذا أبيت فاطلب أحداً يكون معك، واحمل معك شيئاً تأكله لا تستطيع ما نستطيع نحن. قال : ففعلت، فلقيت أخي فعرضت عليه فأبى، فأتيتهم فتحمَّلوا فكانوا يمشون وأمشي معهم، فرزقنا الله السلامة حتى أتينا الموصل، فأتينا بيعه بالموصل، فلما دخل