غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
ثم وصف شدة شكيمة اليهود ولين عريكة النصارى فقال ﴿لتجدن﴾ يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب ﴿أشد الناس عداوة﴾ وقد تعلقت بها اللام في قوله ﴿للذين آمنوا﴾ كما تعلقت بالمودة فيما بعد. وظاهر الآية يدل على أن اليهود في غاية العداوة للمسلمين وكيف لا وقد نبه على تقدم قدمهم في العداوة بتقديمهم على الذين أشركوا وعن النبي ﷺ «ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله » لكنه روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي أن المراد به النجاشي وقومه الذين قدموا من الحبشة على رسول لله ﷺ وآمنوا به ولم يرد جميع النصارى مع ظهور عداوتهم للمسلمين. وقال آخرون : مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر إلى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان، بالقتل أو بغصب الماء أو بوجوه المكايد والحيل، وليس النصارى مذهبهم ذلك بل الإيذاء في دينهم حرام وهذا هو وجه التفاوت بالعداوة والمودة، وقد أكد ذلك بوصف العداوة والمودّة بالأشد والأقرب. وفي الآية من الفائدة أن التمرد والمعصية عادة لهم ففرغ قلبك يا محمد ولا تبال بمكرهم ولا تحزن على كيدهم. ثم ذكر سبب ذالك التفاوت فقال ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً﴾ القس والقسيس اسم لرئيس النصارى في العلم والدين وكأنه من القس وهو تتبع الشيء وطلبه. قال قطرب : هو العالم بلغة الروم وهذا مما وقع فيه الوفاق بين اللغتين. وقال عروة بن الزبير : ضيعت النصارى الإنجيل وأدخلت فيه ما ليس منه وبقي واحد من علمائهم على الحق والدين يسمى قسيساً، فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس. والرهبان جمع راهب كركبان وفرسان في راكب وفارس. وقيل : إنه واحد وجمعه رهابين كقربان وقرابين ولكن النظام يأباه. وأصله من الرهبة بمعنى الخوف من الله تعالى، وإنما صارت الرهبانية ممدوحة في مقابلة قساوة اليهود وغلظتهم وإلا فهي مذمومة في نفسها لقوله تعالى :﴿ورهبانية ابتدعوها﴾ [الحديد: ٢٧] ولقوله ﷺ «لا رهبانية في الإسلام » وهاهنا نكتة هي أن كفر النصارى حيث إنهم ينازعون في الإلهيات والنبوات جميعاً أغلظ في الحقيقة من كفر اليهود لأنهم لا ينازعون إلا في النبوات إلا بعضهم القائلين بأن عزيراً ابن الله. ثم إن النصارى لما يشتد حرصهم على طلب الدنيا وعلى الحياة وأقبلوا على العلم والبراءة من الكبر خصهم الله تعالى بالمدح وذم اليهود حيث قال ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾ [البقرة: ٩٦] ﴿غلت أيديهم﴾ [المائدة: ٦٤] فتبين صحة قوله ﷺ «حب الدنيا رأس كل خطيئة ».
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل مع ذرات ذرّيات آدم عليه السلام ﴿وأرسلنا إليهم رسلاً﴾ بالأجساد في عالم الشهادة، ومن الواردات الروحانية في عالم الغيب ﴿فريقاً كذبوا﴾ يعني الإلهامات والواردات ﴿وفريقاً﴾ يقتلون في عالم الحس ﴿لقد كفر الذين قالوا﴾ النصارى أرادوا أن يسلكوا طريق الحق بقدم العقل فتاهوا في أودية الشبهات، وأمة محمد ﷺ سلكوا الطريق بأقدام جذبات الألوهية على وفق المتابعة الجبيبية فأسقط عنهم براهين الوصال كلفة الاستدلال، ولهذا كان الشبلي يغسل كتبه بالماء ويقول : نعم الدليل أنت. ولكن الاشتغال بالدليل بعد الوصول إلى المدلول محال فتحقق لهم أن عيسى بعد التزكية والتحلية صار قابلاً للفيض الإلهي فكان يخلق ما يخلق ويفعل ما يفعل بإذن الله، كما أن المرايا المحرقة تحرق بما قبلت من فيض الشمس ﴿إنه من يشرك بالله﴾ ظاهراً ﴿فقد حرم الله عليه الجنة﴾ ومن يشرك به باطناً حرم عليه القربة على لسان داود وعيسى ابن مريم. هذا سر الخلافة فإن الإنسان الكامل المستحق للخلافة قبوله قبول الحق ورده رد الحق ﴿لا يتناهون عن منكر﴾ سمى العصيان منكراً لأنه يوجب النكرة كما سمى الطاعة معروفاً لأنها توجب المعرفة ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً﴾. يعني أن تعارف الأرواح يُوجب ائتلاف الأشباح، فالنصارى ببركة علمائهم وعبادهم وصفاء قلوبهم وخضوعهم ثبت لهم القرابة والمودة من أهل الإيمان وعرفوا الحق الذي سمعوه في الأزل يوم الميثاق، فآمنوا وذلك جزاء المحسنين الذين يعبدون الله ويشاهدونه بلوائح المعرفة وطوالع المحبة فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.