جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ مِمّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقّ يَقُولُونَ رَبّنَآ آمَنّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾. .
يقول تعالى ذكره : وإذا سمع هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى الذين وصفت لك يا محمد صفتهم، أنك تجدهم أقرب الناس مودّة للذين آمنوا، ما أنزل إليك من الكتاب يتلى، " تَرَى أعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ ". وفيض العين من الدمع : امتلاؤها منه، ثم سيلانه منها كفيض النهر من الماء، وفيض الإناء، وذلك سيلانه عن شدّة امتلائه ومنه قول الأعشى :
وقوله : مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقّ يقول : فيض دموعهم لمعرفتهم بأن الذي يتلى عليهم من كتاب الله الذي أنزله إلى رسول الله حقّ.
كما : حدثنا هناد بن السريّ، قال : حدثنا يونس بن بكير، قال : حدثنا أسباط بن نصر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السديّ، قال : بعث النجاشيّ إلى النبيّ ﷺ اثني عشر رجلاً يسألونه ويأتونه بخبره، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ القرآن فبكوا. وكان منهم سبعة رهبان وخمسة قسيسون، أو خمسة رهبان وسبعة قسيسون، فأنزل الله فيهم : وَإذَا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرّسُولِ تَرَى أعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ. . . إلى آخر الاَية.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا عمر بن عليّ بن مقدّم، قال : سمعت هشام بن عروة يحدّث عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال : نزلت في النجاشيّ وأصحابه : " وَإذَا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرّسُولِ تَرَى أعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ ".
حدثنا هناد، قال : حدثنا عبدة بن سليم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، في قوله : تَرَى أعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ مِمّا عَرفُوَا مِنَ الحَقّ قال : ذلك في النجاشيّ.
حدثنا هناد وابن وكيع، قالا : حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال : كانوا يرون أن هذه الآية أنزلت في النجاشيّ : " وَإذَا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرّسُولِ تَرَى أعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ ".
حدثنا هناد، قال : حدثنا يونس بن بكير، قال : قال ابن إسحاق، سألت الزهري عن الآيات : " ذَلِكَ بأنّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبانا وأنّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإذَا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرّسُولِ تَرَى أعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ. . . الاية ". وقوله " وَإذَا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلاما " قال : ما زلت أسمع علماءنا يقولون : نزلت في النجاشيّ وأصحابه.
وأما قوله : يَقولُونَ فإنه لو كان بلفظ اسم كان نصبا على الحال، لأنّ معنى الكلام : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحقّ، قائلين ربنا آمنا. ويعني بقوله تعالى ذكره : " يَقُولُونَ رَبَنّا آمَنا " أنهم يقولون : يا ربنا صدّقنا لما سمعنا ما أنزلته إلى نبيك محمد ﷺ من كتابك، وأقررنا به أنه من عندك وأنه الحقّ لا شكّ فيه.
وأما قوله : " فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ " فإنه رُوي عن ابن عباس وغيره في تأويله، ما :
حدثنا به هناد قال : حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي وابن نمير جميعا، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله :" اكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ : قال : أمة محمد ﷺ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج :" فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ " مع أمة محمد ﷺ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس :" فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ " يعنون بالشاهدين : محمدا ﷺ وأمته.
حدثني الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله :" فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ " قال محمد ﷺ وأمته، أنهم شهدوا أنه قد بلّغ، وشهدوا أن الرسل قد بلّغت.
حدثنا الربيع، قال : حدثنا أسد بن موسى، قال : حدثنا يحيى بن زكريا، قال : ثني إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثل حديث الحارث بن عبد العزيز، غير أنه قال : وشهدوا للرسل أنهم قد بلّغُوا.
فكأنّ متأوّل هذا التأويل قصد بتأويله هذا إلى معنى قول الله تعالى ذكره : " وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أمّةً وَسَطا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ على النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا "، فذهب ابن عباس إلى أن الشاهدين هم الشهداء في قوله : " لِتَكُونوا شُهَدَاءَ على النّاسِ " وهم أمة محمد ﷺ.
وإذا كان التأويل ذلك، كان معنى الكلام : يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين الذين يشهدون لأنبيائك يوم القيامة أنهم قد بلّغوا أممهم رسالاتك.
ولو قال قائل : معنى ذلك : فاكتبنا مع الشاهدين الذين يشهدون أن ما أنزلته إلى رسولك من الكتاب حقّ، كان صوابا، لأن ذلك خاتمة قوله : " وَإذَا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرّسُولِ تَرَى أعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقّ يَقُولُونَ رَبّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ " وذلك صفة من الله تعالى ذكره لهم بإيمانهم، لما سمعوا من كتاب الله، فتكون مسألتهم أيضا الله أن يجعلهم ممن صحت عنده شهادتهم بذلك، ويُلحقهم في الثواب والجزاء منازلهم. ومعنى الكتاب في هذا الموضع : الجَعْل، يقول : فاجْعَلْنا مَعَ الشّاهِدِينَ، وأثبتنا معهم في عدادهم.
يقول تعالى ذكره : وإذا سمع هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى الذين وصفت لك يا محمد صفتهم، أنك تجدهم أقرب الناس مودّة للذين آمنوا، ما أنزل إليك من الكتاب يتلى، " تَرَى أعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ ". وفيض العين من الدمع : امتلاؤها منه، ثم سيلانه منها كفيض النهر من الماء، وفيض الإناء، وذلك سيلانه عن شدّة امتلائه ومنه قول الأعشى :
| فَفاضَتْ دُمُوعِي فَطَلّ الشؤون | نِ إمّا وَكِيفا وإمّا انْحِدَارَا |
كما : حدثنا هناد بن السريّ، قال : حدثنا يونس بن بكير، قال : حدثنا أسباط بن نصر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السديّ، قال : بعث النجاشيّ إلى النبيّ ﷺ اثني عشر رجلاً يسألونه ويأتونه بخبره، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ القرآن فبكوا. وكان منهم سبعة رهبان وخمسة قسيسون، أو خمسة رهبان وسبعة قسيسون، فأنزل الله فيهم : وَإذَا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرّسُولِ تَرَى أعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ. . . إلى آخر الاَية.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا عمر بن عليّ بن مقدّم، قال : سمعت هشام بن عروة يحدّث عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال : نزلت في النجاشيّ وأصحابه : " وَإذَا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرّسُولِ تَرَى أعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ ".
حدثنا هناد، قال : حدثنا عبدة بن سليم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، في قوله : تَرَى أعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ مِمّا عَرفُوَا مِنَ الحَقّ قال : ذلك في النجاشيّ.
حدثنا هناد وابن وكيع، قالا : حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال : كانوا يرون أن هذه الآية أنزلت في النجاشيّ : " وَإذَا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرّسُولِ تَرَى أعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ ".
حدثنا هناد، قال : حدثنا يونس بن بكير، قال : قال ابن إسحاق، سألت الزهري عن الآيات : " ذَلِكَ بأنّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبانا وأنّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإذَا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرّسُولِ تَرَى أعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ. . . الاية ". وقوله " وَإذَا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلاما " قال : ما زلت أسمع علماءنا يقولون : نزلت في النجاشيّ وأصحابه.
وأما قوله : يَقولُونَ فإنه لو كان بلفظ اسم كان نصبا على الحال، لأنّ معنى الكلام : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحقّ، قائلين ربنا آمنا. ويعني بقوله تعالى ذكره : " يَقُولُونَ رَبَنّا آمَنا " أنهم يقولون : يا ربنا صدّقنا لما سمعنا ما أنزلته إلى نبيك محمد ﷺ من كتابك، وأقررنا به أنه من عندك وأنه الحقّ لا شكّ فيه.
وأما قوله : " فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ " فإنه رُوي عن ابن عباس وغيره في تأويله، ما :
حدثنا به هناد قال : حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي وابن نمير جميعا، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله :" اكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ : قال : أمة محمد ﷺ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج :" فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ " مع أمة محمد ﷺ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس :" فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ " يعنون بالشاهدين : محمدا ﷺ وأمته.
حدثني الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله :" فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ " قال محمد ﷺ وأمته، أنهم شهدوا أنه قد بلّغ، وشهدوا أن الرسل قد بلّغت.
حدثنا الربيع، قال : حدثنا أسد بن موسى، قال : حدثنا يحيى بن زكريا، قال : ثني إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثل حديث الحارث بن عبد العزيز، غير أنه قال : وشهدوا للرسل أنهم قد بلّغُوا.
فكأنّ متأوّل هذا التأويل قصد بتأويله هذا إلى معنى قول الله تعالى ذكره : " وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أمّةً وَسَطا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ على النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا "، فذهب ابن عباس إلى أن الشاهدين هم الشهداء في قوله : " لِتَكُونوا شُهَدَاءَ على النّاسِ " وهم أمة محمد ﷺ.
وإذا كان التأويل ذلك، كان معنى الكلام : يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين الذين يشهدون لأنبيائك يوم القيامة أنهم قد بلّغوا أممهم رسالاتك.
ولو قال قائل : معنى ذلك : فاكتبنا مع الشاهدين الذين يشهدون أن ما أنزلته إلى رسولك من الكتاب حقّ، كان صوابا، لأن ذلك خاتمة قوله : " وَإذَا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرّسُولِ تَرَى أعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقّ يَقُولُونَ رَبّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ " وذلك صفة من الله تعالى ذكره لهم بإيمانهم، لما سمعوا من كتاب الله، فتكون مسألتهم أيضا الله أن يجعلهم ممن صحت عنده شهادتهم بذلك، ويُلحقهم في الثواب والجزاء منازلهم. ومعنى الكتاب في هذا الموضع : الجَعْل، يقول : فاجْعَلْنا مَعَ الشّاهِدِينَ، وأثبتنا معهم في عدادهم.