البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الطمع قريب من الرجا، يقال منه : طمع يطمع طمعاً وطماعةً وطماعيةً ؛ قال الشاعر :
طماعية أن يغفر الذنب غافرواسم الفاعل طمع.
﴿وما لنا لا نؤمنُ بالله وما جاءنا من الحق﴾ هذا إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان منهم مع قيام موجبه وهو عرفان الحق.
قال الزمخشري والتبريزي : وموجب الإيمان هو الطمع في دخولهم مع الصالحين، والظاهر أن قولهم ذلك هو الظاهر لأنفسهم على سبيل المكالمة معها لدفع الوساوس والهواجس، إذ فراق طريقة وسلوك أخرى لم ينشأ عليها مما يصعب ويشق، أو قول بعض من آمن لبعض على سبيل التثبت أيضاً، أو قولهم ذلك على سبيل المحاجة لمن عارضهم من الكفار، لما رجعوا إليهم ولا موهم على الإيمان أي، وما يصدنا عن الإيمان بالله وحده.
وقد لاح لنا الصواب وظهر الحق النير.
وروي عن ابن عباس أن اليهود أنكروا عليهم ولاموهم فأجابوهم بذلك و ﴿لا نؤمن﴾ في موضع الحال، وهي المقصودة وفي ذكرها فائدة الكلام، وذلك كما تقول : جاء زيد راكباً جواباً لمن قال : هل جاء زيد ماشياً أو راكباً، والعامل فيها هو متعلق به الجار والمجرور، أي : أي شيء يستقرّ لنا ويجعل في انتفاء الإيمان عنا، وفي مصحف عبد الله وما لنا لا نؤمن بالله وما أنزل علينا ربنا ونطمع وينبغي أن يحمل ذلك على تفسير قوله تعالى ﴿وما جاءنا من الحق﴾ لمخالفته ما أجمع عليه المسلمون من سواد المصحف.
﴿ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين﴾ الأحسن والأسهل أن يكون استئناف إخبار منهم بأنهم طامعون في إنعام الله عليهم بدخولهم مع الصالحين، فالواو عاطفة جملة على جملة، و ﴿ما لنا لا نؤمن﴾ ﴿لا﴾ عاطفة على نؤمن أو على ﴿لا﴾ نؤمن ولا على أن تكون الواو واو الحال ولم يذكر ابن عطية غير هذا الوجه.
وقال الزمخشري : والواو في ﴿ونطمع﴾ واو الحال، والعامل في الحال معنى الفعل العامل في لا نؤمن، ولكن مفيداً بالحال الأولى لأنك لو أزلتها وقلت : وما لنا نطمع لم يكن كلاماً، انتهى.
وماذكره من أن الحالين العامل فيهما واحد وهو ما في اللام من معنى الفعل، كأنه قيل : أي شيء حصل لنا غير مؤمنين طامعين ليس بجيد، لأن الأصح أنه لا يجوز أن يقضي العامل حالين لذي حال واحد لا بحرف عطف إلا أفعل التفضيل، فالأصح أنه يجوز فيه ذلك، وذوا الحال هنا واحد وهو الضمير المجرور بلام لنا، ولأنه أيضاً تكون الواو دخلت على المضارع، ولا تدخل واو الحال على المضارع إلا بتأويل، فيحتاج أن يقدر : ونحن نطمع.
وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون ﴿ونطمع﴾ حالاً من ﴿لا نؤمن﴾ على أنهم أنكروا على أنفسهم لأنهم لا يوحدون الله، ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين، انتهى.
وهذا ليس بجيد لأن فيه دخول واو الحال على المضارع ويحتاج إلى تأويل.
وقال الزمخشري : وأن يكون معطوفاً على ﴿لا نؤمن﴾ على معنى وما لنا لا نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة الصالحين أو على معنى : وما لنا لا نجمع بينهما بالدخول في الإسلام لأن الكافر ما ينبغي له أن يطمع في صحبة الصالحين، انتهى.
ويظهر لي وجه غير ما ذكروه وهو أن يكون معطوفاً على نؤمن على أنه منفي كنفي نؤمن، التقدير : وما لنا لا نؤمن ولا نطمع فيكون في ذلك إنكار لانتفاء إيمانهم وانتفاء طمعهم مع قدرتهم على تحصيل الشيئين : الإيمان والطمع في الدخول مع الصالحين و ﴿مع﴾ على بابها من المعية، وقيل : بمعنى في والصالحون أمة محمد ﷺ، قاله ابن عباس أو الرسول وأصحابه، قاله ابن زيد، أو المهاجرون الأولون، قاله مقاتل.
وقيل : التقدير أن يدخلنا الجنة

تفسير هذه الآية من كتب أخرى