غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
﴿وما لنا﴾ إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان مع حصول موجبه وهو الطمع في إنعام الله عليهم بإدخالهم دار ثوابه مع الصالحين. قالوا ذلك في أنفسهم أو فيما بينهم أو في جواب قومهم حين رجعوا إليهم ولاموهم. ومحل ﴿لا نؤمن﴾ نصب على الحال نحو : مالك قائماً. والعامل فيه معنى الفعل أي ما نصنع غير المؤمنين. وهو العامل أيضاً في ﴿ونطمع﴾ لكن مقيداً بالحال الأولى لأنك لو حذفتها وقلت : وما لنا ونطمع لا حلت، ويحتمل أن يكون ﴿ونطمع﴾ حالاً من ﴿لا نؤمن﴾ كأنهم أنكروا أن لا يوحدوا الله وهم يطمعون في الثواب وأن يكون عطفاً على ﴿لا نؤمن﴾ أي ما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع، أو ما لنا لا نجمع بين الإيمان وبين الطمع.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل مع ذرات ذرّيات آدم عليه السلام ﴿وأرسلنا إليهم رسلاً﴾ بالأجساد في عالم الشهادة، ومن الواردات الروحانية في عالم الغيب ﴿فريقاً كذبوا﴾ يعني الإلهامات والواردات ﴿وفريقاً﴾ يقتلون في عالم الحس ﴿لقد كفر الذين قالوا﴾ النصارى أرادوا أن يسلكوا طريق الحق بقدم العقل فتاهوا في أودية الشبهات، وأمة محمد ﷺ سلكوا الطريق بأقدام جذبات الألوهية على وفق المتابعة الجبيبية فأسقط عنهم براهين الوصال كلفة الاستدلال، ولهذا كان الشبلي يغسل كتبه بالماء ويقول : نعم الدليل أنت. ولكن الاشتغال بالدليل بعد الوصول إلى المدلول محال فتحقق لهم أن عيسى بعد التزكية والتحلية صار قابلاً للفيض الإلهي فكان يخلق ما يخلق ويفعل ما يفعل بإذن الله، كما أن المرايا المحرقة تحرق بما قبلت من فيض الشمس ﴿إنه من يشرك بالله﴾ ظاهراً ﴿فقد حرم الله عليه الجنة﴾ ومن يشرك به باطناً حرم عليه القربة على لسان داود وعيسى ابن مريم. هذا سر الخلافة فإن الإنسان الكامل المستحق للخلافة قبوله قبول الحق ورده رد الحق ﴿لا يتناهون عن منكر﴾ سمى العصيان منكراً لأنه يوجب النكرة كما سمى الطاعة معروفاً لأنها توجب المعرفة ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً﴾. يعني أن تعارف الأرواح يُوجب ائتلاف الأشباح، فالنصارى ببركة علمائهم وعبادهم وصفاء قلوبهم وخضوعهم ثبت لهم القرابة والمودة من أهل الإيمان وعرفوا الحق الذي سمعوه في الأزل يوم الميثاق، فآمنوا وذلك جزاء المحسنين الذين يعبدون الله ويشاهدونه بلوائح المعرفة وطوالع المحبة فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.