جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَاتِ مَآ أَحَلّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ﴾. .
يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، وأقرّوا بما جاءهم به نبيهم ﷺ أنه حقّ من عند الله لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أَحَلّ لَكُمْ، يعني بالطيبات : اللذيذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب، فتمنعوها إياها، كالذي فعله القسيسون والرهبان، فحرّموا على أنفسهم النساء والمطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة، وحبس في الصوامع بعضُهم أنفسَهم، وساح في الأرض بعضهم. يقول تعالى ذكره : فلا تفعلوا أيها المؤمنون كما فعل أولئك، ولا تعتدوا حَدّ الله الذي حدّ لكم فيما أحلّ لكم وفيما حرّم عليكم، فتجاوزوا حَدّهُ الذي حَدّه، فتخالفوا بذلك طاعته، فإن الله لا يحبّ من اعتدى حدّه الذي حدّه لخلقه فيما أحلّ لهم وحرّم عليهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك :
حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال : حدثنا عبثر أبو زبيد، قال : حدثنا حصين، عن أبي مالك في هذه الآية :" يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ. . . الآية "، قال : عثمان بن مظعون وأناس من المسلمين حرّموا عليهم النساء، وامتنعوا من الطعام الطيّب، وأراد بعضهم أن يقطع ذَكَره، فنزلت هذه الآية.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : ثني خالد الحذاء، عن عكرمة، قال : كان أناس من أصحاب النبيّ ﷺ هموا بالخصاء وترك اللحم والنساء، فنزلت هذه الآية : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنّ اللّهَ لا يُحِبّ المُعْتَدِينَ ".
حدثني يعقوب قال : حدثنا ابن علية، عن خالد، عن عكرمة : أن رجالاً أرادوا كذا وكذا، وأرادوا كذا وكذا، وأن يختصوا، فنزلت :" يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ " إلى قوله :" الّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤمِنُونَ ".
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ " قال : كانوا حرّموا الطيب واللحم، فأنزل الله تعالى هذا فيهم.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبد الوهاب الثقفي، قال : حدثنا خالد، عن عكرمة : أن أناسا قالوا : لا نتزوّج، ولا نأكل، ولا نفعل كذا وكذا. فأنزل الله تعالى : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنّ اللّهَ لا يُحِبّ المُعْتَدِينَ ".
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي قِلابة قال : أراد أناس من أصحاب النبيّ ﷺ أن يرفضوا الدنيا ويتركوا النساء ويترهبوا، فقام رسول الله ﷺ فغلظ فيهم المقالة، ثم قال :«إنما هَلكَ مَنْ كَان قَبْلَكُمْ بالتّشْدِيدِ، شَدّدُوا على أنْفُسِهِمْ فَشَدّدَ الله عَلَيْهِمْ، فأولئك بَقَايَاهُمْ في الدّيار والصّوَامِع، اعْبُدُوا الله ولا تُشْرِكُوا به شيئا، وحجّوا واعْتَمِرُوا، واسْتَقِيمُوا يُستقَمْ لَكُمْ ». قال : ونزلت فيهم :" يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ. . . " الآية.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله :" لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ " قال : نزلت في أناس من أصحاب النبيّ ﷺ، أرادوا أن يتخلوا من اللباس ويتركوا النساء ويتزهدوا، منهم عليّ بن أبي طالب وعثمان بن مظعون.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن زياد بن فياض، عن أبي عبد الرحمن، قال : قال النبيّ ﷺ :«لا آمُرُكُمْ أنْ تَكُونُوا قِسّيسينَ وَرُهْبانا ».
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا جامع بن حماد، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، في قوله :" يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ. . . " الآية. ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب النبيّ ﷺ رفضوا النساء واللحم وأرادوا أن يتخذوا الصوامع، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ، قال :«ليس في ديني تَرْكُ النّساءِ واللّحْم، ولا اتّخَاذُ الصّوَامِعِ ». وخُبّرنا أن ثلاثة نفر على عهد رسول الله ﷺ اتفقوا، فقال أحدهم : أما أنا فأقوم الليل لا أنام، وقال أحدهم : أما أنا فأصوم النهار فلا أفطر، وقال الآخر : أما أنا فلا آتي النساء. فبعث رسول الله ﷺ إليهم، فقال :«ألَمْ أُنَبّأْ أنّكُمُ اتّفَقْتُمْ على كَذَا ؟ » قالوا : بلى يا رسول الله، وما أردنا إلا الخير. قال : «لكِنّي أقُومُ وأنامُ وأصُومُ وأُفْطِرُ وآتِي النّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنّتِي فَلَيْسَ مِنّي ». وكان في بعض القراءة :«من رغب عن سنتك فليس من أمتك وقد ضلّ عن سواء السبيل ». وذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ قال لأناس من أصحابه :«إنّ مَن قبلكم شدّدوا على انْفُسِهِمْ فَشدّدَ الله عَلَيْهِمْ، فهَؤُلاء إخْوَانُهُم في الدّور والصّوَامِعِ، اعْبُدُوا الله ولا تُشْرِكُوا به شَيْئا، وأقِيمُوا الصّلاةَ، وآتُوا الزّكاة، وصُومُوا رَمَضَانَ، وحُجّوا واعْتَمِرُوا، واسْتَقِيمُوا يُسْتَقَم لكم ».
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنّ اللّهَ لا يُحِبّ المُعْتَدِينَ، وذلك أن رسول الله ﷺ جلس يوما، فذكّر الناس، ثم قام ولم يزدهم على التخويف، فقال أناس من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا عشرة، منهم عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون : ما حقنا إن لم نحدث عملاً، فإن النصارى قد حرّموا على أنفسهم، فنحن نحرّم. فحرّم بعضهم أكل اللحم والوَدَك وأن يأكل بالنهار، وحرّم بعضهم النوم، وحرّم بعضهم النساء، فكان عثمان بن مظعون ممن حرّم النساء، وكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه، فأتت امرأته عائشة وكان يقال لها : الحولاء، فقالت لها عائشة ومَن عندها من نساء النبيّ ﷺ : ما بالك يا حولاء متغيرة اللون، لا تمتشطين ولا تطيبين ؟ فقالت : وكيف أتطيب وأمتشط وما وقع عليّ زوجي ولا رفع عني ثوبا منذ كذا وكذا، فجعلن يضحكن من كلامها، فدخل رسول الله ﷺ وهن يضحكن، فقال :«ما يُضْحِكُكُنّ ؟ » قالت : يا رسول الله، الحولاء سألتها عن أمرها، فقالت : ما رفع عني زوجي ثوبا منذ كذا وكذا. فأرسل إليه فدعاه، فقال :«ما بَالُكَ يا عُثْمانُ ؟ » قال : إني تركته لله لكي أتخلى للعبادة. وقصّ عليه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يَجُبّ نفسه، فقال رسول الله ﷺ :«أقْسَمْتُ عَلَيْكَ إلاّ رَجَعْتَ فَوَاقَعْتَ أهْلَكَ » فقال : يا رسول الله إني صائم. قال :«أفْطِرْ » فأفْطَر وأتى أهله. فرجعت الحَوْلاء إلى عائشة قد اكتحلت وامتشطت وتطيبت، فضحكت عائشة فقالت : ما بالك يا حولاء ؟ فقالت : إنه أتاها أمس. فقال رسول الله ﷺ :«ما بالُ أقْوَامٍ حَرّمُوا النّساءَ وَالطّعامَ والنّوْمَ ؟ ألا إنّي أنامُ وأقُومُ وأفْطِرُ وأُصُومُ وأنْكِحُ النّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنّتِي فَلَيْسَ مِنّي ». فنزلت : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا "، يقول لعثمان : لا تجبّ نفسك، فإن هذا هو الاعتداء. وأمرهم أن يكفّروا أيمانهم، فقال :" لا يؤاخذكمُ اللّهُ باللّغوِ فِي أيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيمَانَ. "
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله :" يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ " قال : هم رهط من أصحاب النبيّ ﷺ قالوا : نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان. فبلغ ذلك النبيّ ﷺ، فأرسل إليهم، فذكر ذلك لهم، فقالوا : نعم، فقال رسول الله ﷺ :«لَكِنّي أصُومُ وأفْطُرِ وأُصَلّي وأنامُ وأنْكِحُ النّساءَ، فَمَنْ أخَذَ بِسُنّتِي فَهُوَ مِنّي، وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِسُنّتِي فَلَيْسَ مِنّي ».
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :" يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ "، وذلك أن رجالاً من أصحاب محمد ﷺ منهم عثمان بن مظعون حرّموا النّساءَ وَاللّحْمَ على أنْفُسِهِمْ، وأخذوا الشفار ليقطعوا مذاكيرهم لكي تنقطع الشهوة ويتفرّغوا لعبادة ربهم. فأُخبر بذلك النبيّ ﷺ، فقال :«ما أرَدْتُمْ ؟ » فقالوا : أردنا أن نقطع الشهوة عنا ونتفرّغ لعبادة ربنا ونلهو عن النساء. فقال رسول الله ﷺ :«لَمْ أُومَرُ بِذَلِكَ، وَلَكِنّي أُمِرْتُ فِي دِينِي أنْ أتَزَوّجَ النّساءَ ». فقالوا : نطيع رسول الله ﷺ. فأنزل الله :" يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ، وَلا تَعْتَدُوا إنّ اللّهَ لا يُحِبّ المُعْتِدينَ. . . " إلى قوله :" الّذِي أنُتمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ".
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال : أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا ويخْصوا أنفسهم، ويلبسوا المسوح، فنزلت هذه الآية إلى قوله : " واتّقُوا الله الّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ". قال ابن جريج عن عكرمة : إن عثمان بن مظعون، وعليّ بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالما مولى أبي حذيفة في أصحاب تبتّلوا، فجلسوا في البيوت واعتزلوا النساء ولبسوا المسوح وحرّموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما أكل ولبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهمّوا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت :" يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنّ اللّهَ لا يُحِبّ المُعْتَدِينَ "، يقول : لا تستَنّوا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرّموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من صيام النهار وقيام الليل، وما همّوا له من الإخصاء. فلما نزلت فيهم بعث
يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، وأقرّوا بما جاءهم به نبيهم ﷺ أنه حقّ من عند الله لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أَحَلّ لَكُمْ، يعني بالطيبات : اللذيذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب، فتمنعوها إياها، كالذي فعله القسيسون والرهبان، فحرّموا على أنفسهم النساء والمطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة، وحبس في الصوامع بعضُهم أنفسَهم، وساح في الأرض بعضهم. يقول تعالى ذكره : فلا تفعلوا أيها المؤمنون كما فعل أولئك، ولا تعتدوا حَدّ الله الذي حدّ لكم فيما أحلّ لكم وفيما حرّم عليكم، فتجاوزوا حَدّهُ الذي حَدّه، فتخالفوا بذلك طاعته، فإن الله لا يحبّ من اعتدى حدّه الذي حدّه لخلقه فيما أحلّ لهم وحرّم عليهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك :
حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال : حدثنا عبثر أبو زبيد، قال : حدثنا حصين، عن أبي مالك في هذه الآية :" يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ. . . الآية "، قال : عثمان بن مظعون وأناس من المسلمين حرّموا عليهم النساء، وامتنعوا من الطعام الطيّب، وأراد بعضهم أن يقطع ذَكَره، فنزلت هذه الآية.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : ثني خالد الحذاء، عن عكرمة، قال : كان أناس من أصحاب النبيّ ﷺ هموا بالخصاء وترك اللحم والنساء، فنزلت هذه الآية : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنّ اللّهَ لا يُحِبّ المُعْتَدِينَ ".
حدثني يعقوب قال : حدثنا ابن علية، عن خالد، عن عكرمة : أن رجالاً أرادوا كذا وكذا، وأرادوا كذا وكذا، وأن يختصوا، فنزلت :" يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ " إلى قوله :" الّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤمِنُونَ ".
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ " قال : كانوا حرّموا الطيب واللحم، فأنزل الله تعالى هذا فيهم.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبد الوهاب الثقفي، قال : حدثنا خالد، عن عكرمة : أن أناسا قالوا : لا نتزوّج، ولا نأكل، ولا نفعل كذا وكذا. فأنزل الله تعالى : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنّ اللّهَ لا يُحِبّ المُعْتَدِينَ ".
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي قِلابة قال : أراد أناس من أصحاب النبيّ ﷺ أن يرفضوا الدنيا ويتركوا النساء ويترهبوا، فقام رسول الله ﷺ فغلظ فيهم المقالة، ثم قال :«إنما هَلكَ مَنْ كَان قَبْلَكُمْ بالتّشْدِيدِ، شَدّدُوا على أنْفُسِهِمْ فَشَدّدَ الله عَلَيْهِمْ، فأولئك بَقَايَاهُمْ في الدّيار والصّوَامِع، اعْبُدُوا الله ولا تُشْرِكُوا به شيئا، وحجّوا واعْتَمِرُوا، واسْتَقِيمُوا يُستقَمْ لَكُمْ ». قال : ونزلت فيهم :" يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ. . . " الآية.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله :" لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ " قال : نزلت في أناس من أصحاب النبيّ ﷺ، أرادوا أن يتخلوا من اللباس ويتركوا النساء ويتزهدوا، منهم عليّ بن أبي طالب وعثمان بن مظعون.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن زياد بن فياض، عن أبي عبد الرحمن، قال : قال النبيّ ﷺ :«لا آمُرُكُمْ أنْ تَكُونُوا قِسّيسينَ وَرُهْبانا ».
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا جامع بن حماد، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، في قوله :" يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ. . . " الآية. ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب النبيّ ﷺ رفضوا النساء واللحم وأرادوا أن يتخذوا الصوامع، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ، قال :«ليس في ديني تَرْكُ النّساءِ واللّحْم، ولا اتّخَاذُ الصّوَامِعِ ». وخُبّرنا أن ثلاثة نفر على عهد رسول الله ﷺ اتفقوا، فقال أحدهم : أما أنا فأقوم الليل لا أنام، وقال أحدهم : أما أنا فأصوم النهار فلا أفطر، وقال الآخر : أما أنا فلا آتي النساء. فبعث رسول الله ﷺ إليهم، فقال :«ألَمْ أُنَبّأْ أنّكُمُ اتّفَقْتُمْ على كَذَا ؟ » قالوا : بلى يا رسول الله، وما أردنا إلا الخير. قال : «لكِنّي أقُومُ وأنامُ وأصُومُ وأُفْطِرُ وآتِي النّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنّتِي فَلَيْسَ مِنّي ». وكان في بعض القراءة :«من رغب عن سنتك فليس من أمتك وقد ضلّ عن سواء السبيل ». وذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ قال لأناس من أصحابه :«إنّ مَن قبلكم شدّدوا على انْفُسِهِمْ فَشدّدَ الله عَلَيْهِمْ، فهَؤُلاء إخْوَانُهُم في الدّور والصّوَامِعِ، اعْبُدُوا الله ولا تُشْرِكُوا به شَيْئا، وأقِيمُوا الصّلاةَ، وآتُوا الزّكاة، وصُومُوا رَمَضَانَ، وحُجّوا واعْتَمِرُوا، واسْتَقِيمُوا يُسْتَقَم لكم ».
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنّ اللّهَ لا يُحِبّ المُعْتَدِينَ، وذلك أن رسول الله ﷺ جلس يوما، فذكّر الناس، ثم قام ولم يزدهم على التخويف، فقال أناس من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا عشرة، منهم عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون : ما حقنا إن لم نحدث عملاً، فإن النصارى قد حرّموا على أنفسهم، فنحن نحرّم. فحرّم بعضهم أكل اللحم والوَدَك وأن يأكل بالنهار، وحرّم بعضهم النوم، وحرّم بعضهم النساء، فكان عثمان بن مظعون ممن حرّم النساء، وكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه، فأتت امرأته عائشة وكان يقال لها : الحولاء، فقالت لها عائشة ومَن عندها من نساء النبيّ ﷺ : ما بالك يا حولاء متغيرة اللون، لا تمتشطين ولا تطيبين ؟ فقالت : وكيف أتطيب وأمتشط وما وقع عليّ زوجي ولا رفع عني ثوبا منذ كذا وكذا، فجعلن يضحكن من كلامها، فدخل رسول الله ﷺ وهن يضحكن، فقال :«ما يُضْحِكُكُنّ ؟ » قالت : يا رسول الله، الحولاء سألتها عن أمرها، فقالت : ما رفع عني زوجي ثوبا منذ كذا وكذا. فأرسل إليه فدعاه، فقال :«ما بَالُكَ يا عُثْمانُ ؟ » قال : إني تركته لله لكي أتخلى للعبادة. وقصّ عليه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يَجُبّ نفسه، فقال رسول الله ﷺ :«أقْسَمْتُ عَلَيْكَ إلاّ رَجَعْتَ فَوَاقَعْتَ أهْلَكَ » فقال : يا رسول الله إني صائم. قال :«أفْطِرْ » فأفْطَر وأتى أهله. فرجعت الحَوْلاء إلى عائشة قد اكتحلت وامتشطت وتطيبت، فضحكت عائشة فقالت : ما بالك يا حولاء ؟ فقالت : إنه أتاها أمس. فقال رسول الله ﷺ :«ما بالُ أقْوَامٍ حَرّمُوا النّساءَ وَالطّعامَ والنّوْمَ ؟ ألا إنّي أنامُ وأقُومُ وأفْطِرُ وأُصُومُ وأنْكِحُ النّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنّتِي فَلَيْسَ مِنّي ». فنزلت : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا "، يقول لعثمان : لا تجبّ نفسك، فإن هذا هو الاعتداء. وأمرهم أن يكفّروا أيمانهم، فقال :" لا يؤاخذكمُ اللّهُ باللّغوِ فِي أيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيمَانَ. "
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله :" يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ " قال : هم رهط من أصحاب النبيّ ﷺ قالوا : نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان. فبلغ ذلك النبيّ ﷺ، فأرسل إليهم، فذكر ذلك لهم، فقالوا : نعم، فقال رسول الله ﷺ :«لَكِنّي أصُومُ وأفْطُرِ وأُصَلّي وأنامُ وأنْكِحُ النّساءَ، فَمَنْ أخَذَ بِسُنّتِي فَهُوَ مِنّي، وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِسُنّتِي فَلَيْسَ مِنّي ».
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :" يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ "، وذلك أن رجالاً من أصحاب محمد ﷺ منهم عثمان بن مظعون حرّموا النّساءَ وَاللّحْمَ على أنْفُسِهِمْ، وأخذوا الشفار ليقطعوا مذاكيرهم لكي تنقطع الشهوة ويتفرّغوا لعبادة ربهم. فأُخبر بذلك النبيّ ﷺ، فقال :«ما أرَدْتُمْ ؟ » فقالوا : أردنا أن نقطع الشهوة عنا ونتفرّغ لعبادة ربنا ونلهو عن النساء. فقال رسول الله ﷺ :«لَمْ أُومَرُ بِذَلِكَ، وَلَكِنّي أُمِرْتُ فِي دِينِي أنْ أتَزَوّجَ النّساءَ ». فقالوا : نطيع رسول الله ﷺ. فأنزل الله :" يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ، وَلا تَعْتَدُوا إنّ اللّهَ لا يُحِبّ المُعْتِدينَ. . . " إلى قوله :" الّذِي أنُتمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ".
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال : أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا ويخْصوا أنفسهم، ويلبسوا المسوح، فنزلت هذه الآية إلى قوله : " واتّقُوا الله الّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ". قال ابن جريج عن عكرمة : إن عثمان بن مظعون، وعليّ بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالما مولى أبي حذيفة في أصحاب تبتّلوا، فجلسوا في البيوت واعتزلوا النساء ولبسوا المسوح وحرّموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما أكل ولبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهمّوا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت :" يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنّ اللّهَ لا يُحِبّ المُعْتَدِينَ "، يقول : لا تستَنّوا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرّموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من صيام النهار وقيام الليل، وما همّوا له من الإخصاء. فلما نزلت فيهم بعث