نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي
عن الكتاب
ولما تقدم القيام إلى الصلاة، وتقدم ذكر الأزواج المأمور فيهن بالعدل في أول النساء وأثنائها، وكان في الأزواج المذكورات هنا الكافرات، ناسب تعقيب ذلك بعد الأمر بالتقوى بقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان، ولما كان العدل في غاية الصعوبة على الإنسان، فكان لذلك يحتاج المتخلق به إلى تدريب كبير ليصير صفة راسخة، عبر بالكون فقال تعالى :﴿كونوا قوّامين﴾ أي مجتهدين في القيام على النساء اللاتي أخذتموهن بعهد الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وعلى غيرهن في الصلاة وغيرها من جميع الطاعات التي(١) عاهدتم على الوفاء بها.
ولما كان مبنى السورة على الوفاء بالعهد الوثيق، وكان الوفاء بذلك إنما يخف(٢) على النفوس، ويصح النشاط فيه، ويعظم العزم عليه بالتذكر(٣) بجلالة موثقه وعدم انتهاك حرمته، لأن(٤) المعاهد إنما يكون باسمه ولحفظ حده ورسمه، قدم قوله :﴿لله﴾ أي الذي له الإحاطة بكل شيء.
بخلاف ما مضى في النساء.
ولما كان من جملة المعاقد(٥) عليه ليلة العقبة " ليلة تواثقوا على الإسلام " أن يقولوا بالحق حيث ما كانوا، لا يخافون في الله لومة لائم، قال :﴿شهداء﴾ أي متيقظين محضرين أفهامكم غاية الإحضار(٦) بحيث لا يسد عنها شيء مما تريدون(٧) الشهادة به ﴿بالقسط﴾ أي العدل، وقال الإمام أبو حيان في نهره : إن التي جاءت(٨) في سورة النساء جاءت في معرض الاعتراف على نفسه وعلى الوالدين والأقربين، فبدأ(٩) فيها بالقسط الذي هو العدل(١٠) والسواء(١١) من غير محاباة نفس ولا والد(١٢) ولا قرابة، وهنا جاءت في معرض ترك العداوات والاحن، فبدىء(١٣) فيها بالقيام لله إذ كان الأمر بالقيام لله أولاً أردع للمؤمنين(١٤)، ثم أردف بالشهادة بالعدل، فالتي في معرض المحبة والمحاباة بدىء فيها بما هو آكد وهو القسط، و(١٥) التي في معرض العداواة والشنآن، بدىء(١٦) فيها بالقيام لله، فناسب كل معرض ما جيء به إليه، وأيضاً فتقدم هناك حديث النشوز والإعراض وقوله﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا(١٧)﴾[النساء: ١٢٩] وقوله
﴿فلا جناح عليهما أن يصلحا(١٨)﴾[النساء: ١٢٨] فناسب ذكر(١٩) تقديم القسط، وهنا تأخر ذكر العداوة فناسب أن يجاورها ذكر القسط - انتهى.
ولما كان(٢٠) أمر بهذا الخبر، نهى مما يحجب(٢١) عنه فقال :﴿ولا يجرمنكم﴾ أي يحملنكم ﴿شنئان قوم﴾ أي(٢٢) شدة عداوة من لهم قوة على القيام في الأمور من المشركين، بحيث يخشى من إهمالهم ازدياد قوتهم ﴿على ألا تعدلوا﴾ أي أن(٢٣) تتركوا قصد العدل، وهو يمكن أن يدخل فيه بغض أهل الزوجة الكافرة أو ازدراؤها(٢٤) في شيء من حقوقها لأجل خسة دينها، فأمروا بالعدل حتى بين هذه(٢٥) المرأة الكافرة وضرّاتها المسلمات، وإذا(٢٦) كان هذا شأن الأمر به في الكافر فما الظن به في المسلم ؟ ثم استأنف قوله آمراً بعد النهي تأكيداً(٢٧) لأمر العدل :﴿اعدلوا﴾ أي تحروا العدل واقصدوه في كل شيء حتى في هذه الزوجات وفيمن يجاوز(٢٨) فيكم الحدود، فكلما عصوا الله فيكم أطيعوه(٢٩) فيهم، فإن الذي منعكم من التجاوز خوفه يريكم من النصرة وصلاح الحال ما يسركم.
ولما كان ترك(٣٠) قصد العدل(٣١) قد يقع لصاحبه(٣٢) العدل اتفاقاً، فيكون قريباً من التقوى، قال مستأنفاً و(٣٣) معللاً :﴿هو﴾ أي قصد العدل ﴿أقرب﴾ أي من ترك قصده ﴿للتقوى﴾ والإحسان الذي يتضمنه الصلح أقرب من العدل إليها، وتعدية ﴿أقرب﴾ باللام دون إلى المقتضية لنوع بعد زيادة في الترغيب - كما مر(٣٤) في البقرة ؛ ولما كان الشيء لا يكون إلا بمقدماته، وكان قد علم من هذا أن العدل مقدمة التقوى، قال عاطفاً على النهي أو على نحو : فاعدلوا(٣٥) :﴿واتقوا الله﴾(٣٦) أي اجعلوا(٣٧) بينكم وبين غضب الملك الأعظم وقاية بالإحسان(٣٨) فضلاً عن العدل، ويؤيد كون الآية ناظرة إلى النكاح مع ما ذكر(٣٩) ختام آية الشقاق التي في أول النساء بقوله
(٤٠)إن الله(٤١) كان عليماً خبيراً(٤٢) }[النساء: ٣٥]، وختام قوله تعالى في أواخرها وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو اعراضاً بقوله ﴿فإن(٤٣) الله كان بما تعملون خبيراً﴾ وختام هذه بقوله معللاً(٤٤) لما قبله(٤٥) :﴿إن الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال ﴿خبير بما تعملون﴾ لأن ما بين الزوجين ربما دق علمه عن إدراك غير العليم الخبير ؛ وقال أبو حيان : لما كان الشنآن محله القلب، وهو الحامل على ترك العدل، أمر بالتقوى وأتى بصفة ﴿خبير﴾ ومعناها عليم ولكنها مما تختص(٤٦) بما لطف إدراكه انتهى. ﴿وشهداء﴾ يمكن أن يكون من الشهادة(٤٧) التي هي حضور القلب - كما تقدم من قوله﴿أو ألقى السمع وهو شهيد(٤٨)﴾[ق: ٣٧] وأن يكون من الشهادة المتعارفة، ويوضح المناسبة فيها مع تأييد إرادتها كونها بعد قوله﴿إن الله عليم بذات الصدور﴾[آل عمران: ١١٩] ومع قوله تعالى :﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه(٤٩)﴾[البقرة: ٢٨٣] وختام آية النساء التي في الشهادة بقوله(٥٠) :﴿وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً(٥١)﴾[النساء: ١٣٥] كما ختمت هذه بمثل ذلك.
ولما كان مبنى السورة على الوفاء بالعهد الوثيق، وكان الوفاء بذلك إنما يخف(٢) على النفوس، ويصح النشاط فيه، ويعظم العزم عليه بالتذكر(٣) بجلالة موثقه وعدم انتهاك حرمته، لأن(٤) المعاهد إنما يكون باسمه ولحفظ حده ورسمه، قدم قوله :﴿لله﴾ أي الذي له الإحاطة بكل شيء.
بخلاف ما مضى في النساء.
ولما كان من جملة المعاقد(٥) عليه ليلة العقبة " ليلة تواثقوا على الإسلام " أن يقولوا بالحق حيث ما كانوا، لا يخافون في الله لومة لائم، قال :﴿شهداء﴾ أي متيقظين محضرين أفهامكم غاية الإحضار(٦) بحيث لا يسد عنها شيء مما تريدون(٧) الشهادة به ﴿بالقسط﴾ أي العدل، وقال الإمام أبو حيان في نهره : إن التي جاءت(٨) في سورة النساء جاءت في معرض الاعتراف على نفسه وعلى الوالدين والأقربين، فبدأ(٩) فيها بالقسط الذي هو العدل(١٠) والسواء(١١) من غير محاباة نفس ولا والد(١٢) ولا قرابة، وهنا جاءت في معرض ترك العداوات والاحن، فبدىء(١٣) فيها بالقيام لله إذ كان الأمر بالقيام لله أولاً أردع للمؤمنين(١٤)، ثم أردف بالشهادة بالعدل، فالتي في معرض المحبة والمحاباة بدىء فيها بما هو آكد وهو القسط، و(١٥) التي في معرض العداواة والشنآن، بدىء(١٦) فيها بالقيام لله، فناسب كل معرض ما جيء به إليه، وأيضاً فتقدم هناك حديث النشوز والإعراض وقوله﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا(١٧)﴾[النساء: ١٢٩] وقوله
﴿فلا جناح عليهما أن يصلحا(١٨)﴾[النساء: ١٢٨] فناسب ذكر(١٩) تقديم القسط، وهنا تأخر ذكر العداوة فناسب أن يجاورها ذكر القسط - انتهى.
ولما كان(٢٠) أمر بهذا الخبر، نهى مما يحجب(٢١) عنه فقال :﴿ولا يجرمنكم﴾ أي يحملنكم ﴿شنئان قوم﴾ أي(٢٢) شدة عداوة من لهم قوة على القيام في الأمور من المشركين، بحيث يخشى من إهمالهم ازدياد قوتهم ﴿على ألا تعدلوا﴾ أي أن(٢٣) تتركوا قصد العدل، وهو يمكن أن يدخل فيه بغض أهل الزوجة الكافرة أو ازدراؤها(٢٤) في شيء من حقوقها لأجل خسة دينها، فأمروا بالعدل حتى بين هذه(٢٥) المرأة الكافرة وضرّاتها المسلمات، وإذا(٢٦) كان هذا شأن الأمر به في الكافر فما الظن به في المسلم ؟ ثم استأنف قوله آمراً بعد النهي تأكيداً(٢٧) لأمر العدل :﴿اعدلوا﴾ أي تحروا العدل واقصدوه في كل شيء حتى في هذه الزوجات وفيمن يجاوز(٢٨) فيكم الحدود، فكلما عصوا الله فيكم أطيعوه(٢٩) فيهم، فإن الذي منعكم من التجاوز خوفه يريكم من النصرة وصلاح الحال ما يسركم.
ولما كان ترك(٣٠) قصد العدل(٣١) قد يقع لصاحبه(٣٢) العدل اتفاقاً، فيكون قريباً من التقوى، قال مستأنفاً و(٣٣) معللاً :﴿هو﴾ أي قصد العدل ﴿أقرب﴾ أي من ترك قصده ﴿للتقوى﴾ والإحسان الذي يتضمنه الصلح أقرب من العدل إليها، وتعدية ﴿أقرب﴾ باللام دون إلى المقتضية لنوع بعد زيادة في الترغيب - كما مر(٣٤) في البقرة ؛ ولما كان الشيء لا يكون إلا بمقدماته، وكان قد علم من هذا أن العدل مقدمة التقوى، قال عاطفاً على النهي أو على نحو : فاعدلوا(٣٥) :﴿واتقوا الله﴾(٣٦) أي اجعلوا(٣٧) بينكم وبين غضب الملك الأعظم وقاية بالإحسان(٣٨) فضلاً عن العدل، ويؤيد كون الآية ناظرة إلى النكاح مع ما ذكر(٣٩) ختام آية الشقاق التي في أول النساء بقوله
(٤٠)إن الله(٤١) كان عليماً خبيراً(٤٢) }[النساء: ٣٥]، وختام قوله تعالى في أواخرها وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو اعراضاً بقوله ﴿فإن(٤٣) الله كان بما تعملون خبيراً﴾ وختام هذه بقوله معللاً(٤٤) لما قبله(٤٥) :﴿إن الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال ﴿خبير بما تعملون﴾ لأن ما بين الزوجين ربما دق علمه عن إدراك غير العليم الخبير ؛ وقال أبو حيان : لما كان الشنآن محله القلب، وهو الحامل على ترك العدل، أمر بالتقوى وأتى بصفة ﴿خبير﴾ ومعناها عليم ولكنها مما تختص(٤٦) بما لطف إدراكه انتهى. ﴿وشهداء﴾ يمكن أن يكون من الشهادة(٤٧) التي هي حضور القلب - كما تقدم من قوله﴿أو ألقى السمع وهو شهيد(٤٨)﴾[ق: ٣٧] وأن يكون من الشهادة المتعارفة، ويوضح المناسبة فيها مع تأييد إرادتها كونها بعد قوله﴿إن الله عليم بذات الصدور﴾[آل عمران: ١١٩] ومع قوله تعالى :﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه(٤٩)﴾[البقرة: ٢٨٣] وختام آية النساء التي في الشهادة بقوله(٥٠) :﴿وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً(٥١)﴾[النساء: ١٣٥] كما ختمت هذه بمثل ذلك.
١ في ظ: اللاتي..
٢ في ظ: يخفى..
٣ في ظ: بالتذكير..
٤ من ظ، وفي الأصل: إنما..
٥ في ظ: المعاقدين..
٦ سقط من ظ..
٧ في ظ: تريدوان- كذا..
٨ زيد من النهر- راجع البحر المحيط ٣/٤٤٠..
٩ من النهر، وفي الأصل و ظ: فبدى..
١٠ في ظ: السواء، وفي النهر: والسوال- كذا..
١١ في ظ: السواء، وفي النهر: والسوال- كذا..
١٢ في ظ: ولد..
١٣ من ظ والنهر، وفي الأصل: فبدا..
١٤ من النهر، وفي الأصل و ظ: للمومن..
١٥ سقط من ظ..
١٦ من النهر، وفي الأصل و ظ: بدا..
١٧ سورة ٤ آية ١٢٩..
١٨ في النهر: يصلحا- راجع سورة ٤ آية ١٢٨..
١٩ زيد من النهر- راجع البحر المحيط ٣/٤٤٠..
٢٠ سقط من ظ..
٢١ في ظ: يجب..
٢٢ زيد من ظ..
٢٣ زيد من ظ..
٢٤ زيد في الأصل و ظ: هي..
٢٥ زيد من ظ..
٢٦ في ظ: أن..
٢٧ من ظ، وفي الأصل: بتأكيدا..
٢٨ في ظ: تجاوز..
٢٩ في ظ: أطيعوا الله..
٣٠ في ظ: القول- كذا..
٣١ في ظ: القول- كذا..
٣٢ في ظ: لمصاحبة..
٣٣ سقط من ظ..
٣٤ في ظ: مضى..
٣٥ زيد ما بين الحاجزين من ظ..
٣٦ في ظ: الذي جعل..
٣٧ في ظ: الذي جعل..
٣٨ من ظ، وفي الأصل: الإنسان- كذا..
٣٩ في ظ: ذكرنا..
٤٠ في ظ: إنه..
٤١ في ظ: إنه..
٤٢ آية ٣٥..
٤٣ من القرآن الكريم آية ١٢٨، وفي الأصل و ظ: أن..
٤٤ سقط ما بين الرقمين من ظ..
٤٥ سقط ما بين الرقمين من ظ..
٤٦ من ظ والبحر المحيط ٣/٤٤١، وفي الأصل: يختص..
٤٧ العبارة من هنا إلى من الشهادة سقطت من ظ..
٤٨ سورة ٥٠ آية ٣٧..
٤٩ سورة ٢ آية ٢٨٣..
٥٠ سقط من ظ..
٥١ سورة ٤ آية ١٣٥..
٢ في ظ: يخفى..
٣ في ظ: بالتذكير..
٤ من ظ، وفي الأصل: إنما..
٥ في ظ: المعاقدين..
٦ سقط من ظ..
٧ في ظ: تريدوان- كذا..
٨ زيد من النهر- راجع البحر المحيط ٣/٤٤٠..
٩ من النهر، وفي الأصل و ظ: فبدى..
١٠ في ظ: السواء، وفي النهر: والسوال- كذا..
١١ في ظ: السواء، وفي النهر: والسوال- كذا..
١٢ في ظ: ولد..
١٣ من ظ والنهر، وفي الأصل: فبدا..
١٤ من النهر، وفي الأصل و ظ: للمومن..
١٥ سقط من ظ..
١٦ من النهر، وفي الأصل و ظ: بدا..
١٧ سورة ٤ آية ١٢٩..
١٨ في النهر: يصلحا- راجع سورة ٤ آية ١٢٨..
١٩ زيد من النهر- راجع البحر المحيط ٣/٤٤٠..
٢٠ سقط من ظ..
٢١ في ظ: يجب..
٢٢ زيد من ظ..
٢٣ زيد من ظ..
٢٤ زيد في الأصل و ظ: هي..
٢٥ زيد من ظ..
٢٦ في ظ: أن..
٢٧ من ظ، وفي الأصل: بتأكيدا..
٢٨ في ظ: تجاوز..
٢٩ في ظ: أطيعوا الله..
٣٠ في ظ: القول- كذا..
٣١ في ظ: القول- كذا..
٣٢ في ظ: لمصاحبة..
٣٣ سقط من ظ..
٣٤ في ظ: مضى..
٣٥ زيد ما بين الحاجزين من ظ..
٣٦ في ظ: الذي جعل..
٣٧ في ظ: الذي جعل..
٣٨ من ظ، وفي الأصل: الإنسان- كذا..
٣٩ في ظ: ذكرنا..
٤٠ في ظ: إنه..
٤١ في ظ: إنه..
٤٢ آية ٣٥..
٤٣ من القرآن الكريم آية ١٢٨، وفي الأصل و ظ: أن..
٤٤ سقط ما بين الرقمين من ظ..
٤٥ سقط ما بين الرقمين من ظ..
٤٦ من ظ والبحر المحيط ٣/٤٤١، وفي الأصل: يختص..
٤٧ العبارة من هنا إلى من الشهادة سقطت من ظ..
٤٨ سورة ٥٠ آية ٣٧..
٤٩ سورة ٢ آية ٢٨٣..
٥٠ سقط من ظ..
٥١ سورة ٤ آية ١٣٥..