الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿فَذَلِكَ﴾ : فيه وجهان، أحدهما : أنَّ الفاءَ جوابُ ُشرطٍ مقدرٍ، أي : إن تأمَّلْتَه، أو إنْ طَلَبْتَ عِلْمَه فذلك. والثاني : أنَّها عاطفةٌ ﴿فذلك﴾ على ﴿الذي يَكَذِّبُ﴾، إمَّا عَطْفَ ذاتٍ على ذاتٍ، أو صفةٍ على صفةٍ. ويكونُ جوابُ ﴿أَرَأَيْتَ﴾ محذوفاً لدلالةِ ما بعدَه عليه. كأنه قيل : أَخْبِرْني، وما تقولُ فيمَنْ يُكَذِّبُ بالجزاءِ، وفيمَنْ يُؤْذِي اليتيمَ، ولا يُطْعِمُ المسكينَ، أنِعْمَ ما يصنعُ ؟ فعلى الأولِ يكونُ اسمُ الإِشارةِ في محلِّ رَفْعٍ بالابتداءِ، والخبرُ الموصولُ بعده، وإمَّا على أنه خبرٌ لمبتدأ مضمرٍ، أي : فهو ذاك، والموصولُ نعتُه. وعلى الثاني يكونُ منصوباً لِنَسَقِه على ما هو منصوبٌ.
إلاَّ أنَّ الشيخَ رَدَّ الثاني فقال :" فجعل ذلك " في موضعِ نصبٍ عطفاً على المفعولِ، وهو تركيبٌ غريبٌ كقولِك :" أَكرَمْتُ الذي يَزورُنا فذلك الذي يُحْسِنُ إلينا "، فالمتبادَرُ إلى الذهنِ أنَّ ﴿فذلك﴾ مرفوعٌ بالابتداء. وعلى تقديرِ النصبِ يكونُ التقديرُ : أَكرمْتُ الذي يزورُنا فأكرَمْتُ ذلك الذي يُحْسِنُ إلينا. فاسمُ الإِشارةِ في هذا التقديرِ غيرُ متمكِّنٍ تَمَكُّنَ ما هو فصيح ؛ إذ لا حاجةَ أَنْ يُشارَ إلى الذي يزورُنا ؛ بل الفصيحُ : أَكرَمْتُ الذي يزورُنا، فالذي يُحْسِن إلينا، أو أكَرَمْتُ الذي يزورُنا فيُحْسِنُ إلينا. وأمَّا قولُه " إمَّا عَطْفُ ذاتٍ على ذاتٍ " فلا يَصِحُّ ؛ لأنَّ " فذلك " إشارةٌ إلى الذي يُكَذِّبُ، فليسا بذاتَيْنِ ؛ لأنَّ المشارَ إليه ب " ذلك " واحدٌ. وأمَّا قولُه :" ويكونُ جوابُ أرأيتَ محذوفاً " فهذا لا يُسَمَّى جواباً ؛ بل هو في موضع المفعولِ الثاني ل " أرَأيْتَ "، وأمَّا تقديرُه " أنِعْمَ ما يصنعُ " ؟ فهمزةُ الاستفهام لا نعلُم دخولَها على نِعْم ولا بئسَ ؛ لأنهما إنشاءٌ، والاستفهامٌ لا يدخلُ إلاَّ على الخبر " انتهى.
والجوابُ عن قولِه :" فاسمُ الإِشارةِ غيرُ متمكِّنٍ " إلى آخره : أنَّ الفرقَ بينهما أنَّ في الآيةِ الكريمةِ استفهاماً وهو " أرأيْتَ "، فحَسُنَ أَنْ يُفَسِّرَ ذلك المُسْتَفْهَمَ عنه، بخلافِ المثالِ الذي مَثَّل به، فمِنْ ثَمَّ حَسُنَ التركيبُ المذكورُ، وعن قولِه :" لأنَّ " فذلك " إشارةٌ إلى " الذي يُكَذِّب " بالمنعِ " بل مُشارٌ به إلى ما بعدَه كقولِك :" اضْرِبْ زيداً، فذلك القائمُ " إشارةٌ إلى القائمِ لا إلى زيد، وإنْ كان يجوزُ أَنْ يكونَ إشارةً إليه. وعن قولِه " فلا يُسَمَّى جواباً " أنَّ النحاةَ يقولون : جوابُ الاستفهام، وهذا قد تَقَدَّمه استفهامٌ فَحَسُنَ ذلك. وعن قولِه :" والاستفهامُ لا يَدْخُلُ إلاَّ على الخبر " ؛ بالمعارضةِ بقولِه تعالى :﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢] فإنَّ " عَسَى " إنشاءٌ، فما كان جواباً له فهو جوابٌ لنا.
وقرأ العامَّةُ بضمِّ الدال وتشديد العينِ مِنْ دَعَّه، أي : دَفَعه، وأمير المؤمنين والحسن وأبو رجاء " يَدَعُ " بفتحِ الدالِ وتخفيفِ العين، أي : يَتْرُكُ ويُهْمِلُ، وزيدُ بن علي " ولا يُحاضُّ " مِن المَحَاضَّةُ وتقدَّم في الفجر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى