الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني
عن الكتاب
لَمَّا بَشره في السورة بإنزال القرآن عليه، وذكر ما يترتب عليه، أمره بإنذار الكفار وتهديدهم بما يؤلون إليه فقال: ﴿بِسمِ ٱللهِ ٱلرَّحْمٰنِ ٱلرَّحِيـمِ * يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾: المتدثر المتلفف بالثياب عند نزول الوحي خوفا، والدثار ما فوق الشعار، وهو ما يلي الجسد ﴿قُمْ﴾: قيام جد ﴿فَأَنذِرْ﴾: الكفار ﴿وَ﴾: أما ﴿رَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾: خصصه بالكبرياء ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: عن النجاسة، أو قصِّر، أو أصلح أخلاقك ﴿وَٱلرُّجْزَ﴾: بالكسر أي: العذاب أي: موجبة وبالضم هو أو الأوثان ﴿فَٱهْجُرْ﴾: دم على هجرته ﴿وَلاَ تَمْنُن﴾: تعط وأنت ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾: أي: تطلب أكثريته وهذا من خصائصه، وقيل: مطلق العوض ﴿وَلِرَبِّكَ﴾ أي: لتكاليفه ﴿فَٱصْبِرْ * فَإِذَا نُقِرَ﴾: نفخ ﴿فِي ٱلنَّاقُورِ﴾: أي: الصور ثانية ﴿فَذَلِكَ﴾: الوقت ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: بدل منه ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى ٱلْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾: لا على المؤمنين ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ﴾: خلقته ﴿وَحِيداً﴾: بلا أهل ومال، يعني: وليد بن المغيرة ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾: مبسوطات ﴿وَبَنِينَ﴾: عشرة ﴿شُهُوداً﴾: حاضرين لاستغنائهم عن السفر والتجارة ﴿وَمَهَّدتُّ﴾: بسطتُّ ﴿لَهُ﴾: في النّعم ﴿تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾: على ذلك ﴿كَلاَّ﴾: ردع عن طمعه ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا﴾: القرآن ﴿عَنِيداً﴾: معاندا، ثم ما زال بعد نزولها ينقص ماله حتى هلك ﴿سَأُرْهِقُهُ﴾: أكلفه ﴿صَعُوداً﴾: عقبة شاقة المصعد، وهو مثل في الشدائد، أو جبل في النار يكلف صعوده دائما عليه، إذا وضع يده ورجله عليه ذابتها، وإذا رفعهما عادتا ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾: فيما تخيل طعنا في القرآن ﴿وَقَدَّرَ﴾: من نفسه بالقول فيه ﴿فَقُتِلَ﴾ لعن ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ما لا يصح تقديره ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ﴾: في آمر القرآن ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾: قبض وجهه لما لم يجد فيه طعنا ﴿وَبَسَرَ﴾: زاد عبوسه ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾: عن الحق ﴿وَٱسْتَكْبَرَ﴾: عنه، ولما سمع القرآن وأعجبه ومدحه خاف قرش إسلامه، فبالغوا معه أن يطعن فيه، وكان أشعرهم ﴿فَقَالَ إِنْ﴾ ما ﴿هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾: ينقل عن السحرة، إذ به يفرقه بين الأقرباء فإنَّ من آمن به ترك أقاربه ﴿إِنْ﴾: أي: ما ﴿هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ﴾: أدخله ﴿سَقَرَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾: كما مر ﴿لاَ تُبْقِي﴾: شيئا يلقى فيها إلا أحرقته ﴿وَلاَ تَذَرُ﴾: بعد إحراقه، بل كلما نضجت جلودهم إلى آخره ﴿لَوَّاحَةٌ﴾: مسودة ﴿لِّلْبَشَرِ﴾ أي: للإنس من الكفرة، أو جمع بشرة، بلي ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ملكا أعيهم كالبرق، وأنيابهم كالصياصي، وأشعارهم تمس أقدامهم، يخرج لهب النار من أفواههم، قيل: سر عددهم أن الساعات أربع وعشرون، خمسة منها للصلوات الخمس وتسعة عشر لغيرها، أو لأن اختلاف نفوسنا بسبب القوى الحيوانية الإثنا عشرة أي: الحواس والشهوية، والغضبية وبالطبيعية السبع العادية والنامية والمولدة، وخدامها أي: الجاذبة والماسكة، والهاضمة والدافعة، والله تعالى أعلم. قال القرطي: والصحيح أنهم الرؤساء، وأما جملتهم فيحكيها قوله: وما يعلم جنود ربك إلا هو. ولما قال أبو الأشد بعد سماعه الآية: أنا أكفيكم سبعة شعر واكفوني اثنين نزل: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً﴾: فلا يغلبهم أحد ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ﴾: عددا كان ﴿فِتْنَةً﴾: أي: ضلالة ﴿لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: إذ استهزءوا به ﴿لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾: صدق محمد صلى الله عليه وسلم لموافقته مع كتبهم ﴿وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ﴾: منهم به ﴿إِيمَٰناً وَلاَ﴾: أي: ولئلا ﴿يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾: تأكيد ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: نفاق ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ﴾: إنكاراً ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا﴾: العدد ﴿مَثَلاً﴾: جعلوه مثلاً لغرابته، وهذا إخبار بمكة عما سيكون بالمدينة ﴿كَذَلِكَ﴾: الإضلال والهدى ﴿يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾: من خلقه على ما هم عليه ﴿إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ﴾: أي: سقر ﴿إِلاَّ ذِكْرَىٰ﴾: عظة ﴿لِلْبَشَرِ * كَلاَّ﴾: ردع لمنكريها ﴿وَٱلْقَمَرِ * وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ مضى ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾: أضاء ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى﴾: البلايا ﴿ٱلْكُبَرِ﴾ هذا مثل: أحد الرجال، أي: لا نظير له ﴿نَذِيراً﴾ إنذاراً ﴿لِّلْبَشَرِ * لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ﴾: إلى الخير ﴿أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾: عنه ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾: أي: بعملها مروهة ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾: المؤمنين، فإنهم فكوا رقابهم بإحسانهم، أو الملائكة أو الأطفال ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾: أي: يسألون المجرمين ﴿عَنِ﴾ حال ﴿ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ قائلين لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ﴾: نشرع في الباطل ﴿مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ * حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ﴾: الموت ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾: لو شفعوا لهم فرضا ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾: القرآن ﴿مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ﴾: في نفارهم عنه ﴿حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ﴾: وحسية ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾: أسد أو صياد أو شبكة ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ﴾: من الله ﴿صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾: غير مطوية على تصديقه ﴿كَلاَّ﴾: رَدْعٌ عن إرادتهم ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾: فلذا يعرضون ﴿كَلاَّ﴾: إلا ﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾: اتعَظَ بهِ ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ به ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: تذكيرهم ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾: للمتقين - واللهُ أعْلَمُ بالصّواب.