تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ١٧ : وقوله تعالى :﴿سأرهقه صعودا﴾ فجائز أن يكون على تحقيق الصعود، وهو العقبة التي يشتد الصعود عليها كما ذكره بعض أهل التأويل، فيكلفه(١) الصعود عليها.
وجائز أن يكون على التمثيل ؛ وذلك أن الصعود في الشاهد مما يشق على المرء الصعود، والهبوط مما يسهل على المرء الانحدار عنه.
فإن كان على هذا ففيه أنه سيصيبه في الآخرة ما يشتد ويشق تحمل ذلك.
ثم يقال للمعتزلة في هذه الآية وفي قوله :﴿سأصليه سقر﴾[المدثر: ٢٦] : إن في هذا وعيدا من الله تعالى بأن سيصليه سقر، وسيرهقه صعودا، فأراد الله تعالى أن يصدق خبره، وينجز وعده، أو أراد أن يكذب خبره، ويخالف وعده.
فإن قلتم بالثاني فقد نسبتموه إلى الكذب وإلى خلف الوعد. ومن هذا وصفه فهو سفيه جاهل، لا يصلح أن يكون إلها.
وإن قلتم : بلى أراد أن يصدق خبره، وينجز وعده مع دوامهم على الكفر أو عند انقلاعهم عنه. فإن زعمتم أنه إنما أراد أن يصليهم سقر على الخروج من الكفر، فهذا منه جور، لأنه يصليه سقر بشيء لا إرادة له فيه، وإن سلمتم أنه أراد إصلاءهم سقر إذا داموا على الكفر، واستقروا عليه، فقد لزمكم أن تقولوا : إن الله تعالى أراد بكل(٢) أحد ما علم أنه يختاره، ويكون منه.
ويقال لهم : إن الله تعالى يقول :﴿ولم يكن له وليّ من الذل﴾[الإسراء: ١١١] ولو كان الأمر على ما زعمتم أنه يريد من كل كافر أن يسلم، ويؤمن به، ويريد الكافر أن يكفر به، ويعاديه. فإذن قد أراد أن يكون له وليّ من الذل لأنه يريد أن يواليه مع اختياره الكفر(٣) في معاداته. ﴿سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا﴾[الإسراء: ٤٣].
١ الهاء ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: من كل..
٣ في الأصل و م: الكافر..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى