المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٨:وقوله تعالى مخبراً عن الوليد ﴿إنه فكر وقدر﴾ الآية، روى جمهور المفسرين أن الوليد سمع من القرآن ما أعجبه ومدحه، ثم سمع كذلك مراراً حتى كاد أن يقارب الإسلام، ودخل إلى أبي بكر الصديق مراراً، فجاءه أبو جهل فقال : يا وليد، أشعرت أن قريشاً قد ذمتك بدخولك إلى ابن أبي قحافة وزعمت أنك إنما تقصد أن تأكل طعامه، فقد أبغضتك لمقاربتك أمر محمد، وما يخلصك عندهم إلا أن تقول في هذا الكلام قولاً يرضيهم، ففتنه أبو جهل فافتتن، وقال : افعل ذلك ثم فكر فيما عسى أن يقول في القرآن، فقال : أقول شعر ما هو بشعر، أقول هو كاهن ؟ ما هو بكاهن، أقول هو ﴿سحر يؤثر﴾ هو قول البشر(١)، أي لبس منزل من عند الله قال أكثر المفسرين.
فقوله تعالى :﴿فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر﴾ هو دعاء عليه وتقبيح لحاله أي أنه ممن يستحق ذلك.
وروي عن الزهري وجماعة غيره أو الوليد حاج أبا جهل وجماعة من قريش في أمر القرآن وقال : والله إن له لحلاوة وإن أصله لعذق(١) وإن فرعه لجناة(٢) وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو ولا يعلى ونحو هذا من الكلام فخالفوه فقالوا له : هو شعر، فقال والله ما هو بشعر، ولقد عرفنا الشعر هزجه وبسيطه(٣)، قالوا : فهو كاهن، قال والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان وزمزمتهم(٤)، قالوا : هو مجنون، قال : والله ما هو بمجنون، ولقد رأينا المجنون وخنقه(٥)، قالوا : هو سحر، قال أما هذا فيشبه أنه سحر ويقول أقوال نفسه(٦).
قال القاضي أبو محمد : فيحتمل قوله تعالى :﴿فقتل كيف قدر﴾ أن يكون دعاء عليه على معنى تقبيح حاله، ويحتمل أن يكون دعاء مقتضاه استحسان منزعه(٧) الأول ومدحه القرآن، وفي نفيه الشعر والكهانة والجنون عنه فيجري هذا مجرى قول النبي ﷺ لأبي جندل بن سهيل :«ويل أمه مسعر حرب »(٨)، ومجرى قول عبد الملك بن مروان : قاتل الله كثيراً كأنه رآنا حين قال كذا(٩)، وهذا معنى مشهور في كلام العرب.
١ ذكره الواحدي بسنده في "أسباب النزول" عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه ابن جرير في تفسيره، والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى