زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
فأنزل الله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً﴾ لا آدميين، فمن يطيقهم ومن يغلبهم ؟ ! ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾ في هذه القلة ﴿إِلاَّ فِتْنَةً﴾ أي : ضلالة ﴿لّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ حتى قالوا ما قالوا ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ أن ما جاء به محمد حق، لأن عدتهم في التوراة تسعة عشر ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ من أهل الكتاب ﴿إِيمَاناً﴾ أي : تصديقا بمحمد ﷺ إذ وجدوا ما يخبرهم موافقا لما في كتابهم ﴿وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي : ولا يشك هؤلاء في عدد الخزنة ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ وفيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه النفاق، ذكره الأكثرون.
والثاني : أنه الشك، قاله مقاتل. وزعم أنهم يهود أهل المدينة، وعنده أن هذه الآية مدنية.
والثالث : أنه الخلاف، قاله الحسين بن الفضل. وقال : لم يكن بمكة نفاق. وهذه مكية. فأما " الكافرون " فهم مشركو العرب، ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ﴾ أي : أي شيء أراد الله ﴿بِهَذَا﴾ الحديث والخبر ﴿مَثَلاً﴾ والمثل يكون بمعنى الحديث نفسه. ومعنى الكلام : يقولون : ما هذا من الحديث ﴿كَذلِكَ﴾ أي : كما أضل من أنكر عدد الخزنة، وهدى من صدق ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء﴾ وأنزل في قول أبي جهل : أما لمحمد من الجنود إلا تسعة عشر :﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ يعني : من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار. وذلك أن لكل واحد من هؤلاء التسعة عشر من الأعوان ما لا يعلمه إلا الله. وذكر الماوردي في وجه الحكمة في كونهم تسعة عشر قولا محتملا، فقال : التسعة عشر : عدد يجمع أكثر القليل، وأقل الكثير، لأن الآحاد أقل الأعداد، وأكثرها تسعة، وما سوى الآحاد كثير. وأقل الكثير : عشرة، فوقع الاقتصار على عدد يجمع أقل الكثير، وأكثر القليل. ثم رجع إلى ذكر النار فقال تعالى :﴿وَمَا هِي إِلاَّ ذِكْرَى﴾ أي : ما النار في الدنيا إلا مذكرة لنار الآخرة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى