الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
أي لم نجعل أصحاب النار رجالا مثلكم فتطمعوا (١) بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش : أفلا (٢) يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحدا ؟ ! (٣). فإذا كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة ؟ ! (٤).
- ثم قال :( وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا )
أي : لم نجعلهم (٥) تسعة عشر فقط لقلة الملائكة ؛ ولكن جعلناهم (٦) كذلك ليتفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويحدثوا أنفسهم بالتغلي على الخزنة حتى قال [ أبو الأشد الجمحي ] (٧) : أنا [ أجهضهم ] (٨) [ عن ] (٩) النار (١٠). وقيل : إن كلدة بن أسيد بن خلف قال : أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين (١١).
- ثم قال تعالى :( ليستيقن الذين أوتوا الكتاب )
أي : فعلنا (١٢) ذلك فيفتتن الذين كفروا [ وليتيقن ] (١٣) الذين أوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم في التوراة ( والإنجيل ) (١٤). هذا معنى قول ابن عباس (١٥) وغيره. وهو قول مجاهد (١٦).
قال (١٧) قتادة : يصدّق (١٨) القرآن الكتب التي كانت فبله، فيها كلها خزنة النار تسعة عشر (١٩). وهو قول الضحاك (٢٠). وقال ابن زيد :( ليستيقن الذين أوتوا الكتاب... )
" أنك رسول الله " (٢١).
- ثم قال تعالى :( ويزداد الذين ءامنوا إيمانا... ).
أي : تصديقا إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم (٢٢).
- ثم قال :( ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمومنون... ).
أي : ولا (٢٣) يشك أهل الكتاب [ و ] (٢٤) المؤمنون في حقيقة ذلك (٢٥).
- ثم قال :( وليقول الذين في قلوبهم مرض.. )
أي : نفاق (٢٦).
( والكافرين (٢٧)... )
يعني مشركي قريش (٢٨).
- ( ماذا أراد الله بهذا مثلا )
أي ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا (٢٩) بهؤلاء التسعة عشر.
- قال الله :( كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء )
- أي : كما أضل (٣٠) هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين : أي شيء أراد الله بهذا مثلا ؟ ! كذلك يضل الله من يشاء ] (٣١) من خلقه فيخذله عن إصابة الحق، و يهدي من يشاء فيوفقه للحق.
- ثم قال تعالى :( وما يعلم جنود ربك إلا هو... )
أي : لا يعلم ( مقدار ) (٣٢) كثرة جنود ربك يا محمد إلا ربك (٣٣). روي عن النبي ﷺ انه قال :" إن لله ملائكة ترعد فرائصهم مخافة منه، وإن منهم من لا تقطر (٣٤) من عينيه (٣٥) دمعة إلا وقت ملكا يسبح، وملائكة سجود منذ خلق الله السماوات لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، ومنهم [ ملائكة ] (٣٦) وقوف لم ينصرفوا ولا ينصرفون إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تجلى لهم ربهم-جل ذكره- فقالوا : سبحانك ! ما عبدناك حق عبادتك ! " (٣٧).
وقال كعب : إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياما، [ ما ] (٣٨) ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعا (٣٩)، ما رفعوا أصلابهم (٤٠)، وآخرين [ سجودا ] (٤١) ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة فيقولون جميعا : سبحانك ! ما عبدناك كما ينبغي أن تعبد. ثم قال كعب : والله، لو أن رجلا عمَل عمَل سبعين نبيا، [ لاستقَل ] (٤٢) عمله يوم القيامة من شدة ما يرى يومئذ. والله لو دلي من [ غسلين ] (٤٣) دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت/ منه جماجم قوم في مغربها. والله، [ لتزفرن ] (٤٤) جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب إلا خر جاثيا على ركبتيه.
وروى ابن المبارك (٤٥) حديثا-رفعه- أن ملكا سجد لما استوى الرب [ تعالى ] (٤٦) على عرشه، فلم يرفع رأسه [ و ] (٤٧) لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة : لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئا، ولم أتخذ من دونك وليا (٤٨).
وقد وصفهم الله في كتابه فقال (٤٩) :( يسبحون الليل النهار لا يفترون ) (٥٠).
قال كعب : التسبيح للملائكة بمنزلة بمنزلة النفس لبني آدم، ألهموا التسبيح كما ألهمتهم الطرف والنفس (٥١).
- ثم قال تعالى :( وما هي إلا ذكرى للبشر )
يعني النار (٥٢) التي وصفها. يقول : ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظة (٥٣) وعبرة للناس يتعظون بها.
١ - أ: فتطمعوا..
٢ - أ: ألا..
٣ - انظر تفسير الماوردي ٤/٣٥٠ والقرطبي ١٩/٨٠..
٤ - انظر جامع البيان ٢٩/١٦٠..
٥ - ث: تجعلهم..
٦ - أ: جعلتهم..
٧ - م: أبو الاشد بن الجمجم، وقد اختلف في هذا الاسم كثيرا. وما أثبت في المتن جاء في رواية السدي كما ذكرها الماوردي في تفسيره: ٤/٣٥٠. وأقرب الروايات إليها ما جاء في جامع البيان: ٢٩/١٦٠ والدر: ٨/٣٣٣ عن مجاهد أنه أبو الأشدين بن الجمحي مع التنبيه على أن هناك اختلافا بين طبعة دار الفكر لسنة ١٣٩٨ﻫ و١٩٧٨م وطبعة نفس الدار لسنة ١٤٠٥ﻫ-١٩٨٤م. وقد ورد في هذه الأخيرة هكذا "أبو الأشد بن الجمحي وقد ذهب ابن كثير في تفسيره ٤/٤٧٤ إلى أن كَلَدَةَ الذي ذكره مكي بعد ذلك هو اسم أبي الأشدين. ويشهد لذلك ما جاء في البحر ٨/٣٧٥ وروح المعاني: ٢٩/١٥٧ أنه أبو الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحي. وأيضا ما جاء في تفسير الخازن: ٧/١٤٧ أنه أبو الأشد بن أسيد بن كَلدَة بن خلف الجمحي. وقيل غير هذا. انظر المعالم ٧/١٤٧ وزاد المسير: ٨/٤٠٨، وتفسير القرطبي: ١٩/٨٠. ٨١..
٨ - م: أجهنمم، أ: أجهظهم..
٩ - م، ث: على..
١٠ - جامع البيان: ٢٩/١٦٠ من رواية مجاهد..
١١ - روح المعاني: ٢٩/١٥٧ من رواية ابن عباس..
١٢ - ث، أ: فعلت..
١٣ - م: وليفتتن..
١٤ - ساقط من أ، ث..
١٥ - انظر جامع البيان: ٢٩/١٦١..
١٦ - انظر جامع البيان: ٢٩/١٦١..
١٧ - أ، ث: وقال..
١٨ - ث: يهدو..
١٩ - انظر جامع البيان: ٢٩/١٦١ والدر: ٨/٣٣٤..
٢٠ - انظر جامع البيان: ٢٩/١٦١ والدر: ٨/٣٣٤..
٢١ - انظر جامع البيان: ٢٩/١٦١..
٢٢ - انظر جامع البيان: ٢٩/١٦١..
٢٣ - أ: أي لا..
٢٤ - ساقط من م..
٢٥ - هو قول قتادة في جامع البيان: ٢٩/١٦١..
٢٦ - هو قول قتادة في جامع البيان: ٢٩/١٦١..
٢٧ - أ: ث: أي والكافرون..
٢٨ - انظر جامع البيان: ٢٩/١٦١..
٢٩ - أ: تخوفنا..
٣٠ - أ: ضل. والتصويب من جامع البيان ٢٩/١٦١..
٣١ - ما بين معقوفتين [ويهدي – من يشاء] ساقط من م..
٣٢ - ساقط من أ..
٣٣ - انظر جامع البيان ٢٩/١٦٢..
٣٤ - أ: يقطر..
٣٥ - أ: عينه..
٣٦ - ساقط من م..
٣٧ - الحديث أخرجه الإمام محمد بن نصر. انظر تفسير ابن كثير ٤/٤٧٥ وفي مجمع الزوائد ١٠/٣٦١ من رواية الطبراني في الأوسط عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما في السموات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كفّ إلا وفيه ملك قائم وملك راكع وملك ساجد، فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعا: سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك إلا أنّا لم نشرك بك شيئا"..
٣٨ - ساقط من ث، أ..
٣٩ - أ: ركوع..
٤٠ - ث: ما رفعوا رؤوسهم أصلابهم..
٤١ - م، أ: سجود..
٤٢ - م: لا يستقل. والكلام يعني أن الرجل بتلك الصفة يرى عمله يومئذ قليلا، لا يظن معه أنه سينجو !.
٤٣ -م: غسان..
٤٤ - م: لتزفون..
٤٥ - هو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي، أبو عبد الرحمن المروزي، أحد الأئمة الأعلام في الحديث، روى عن حُمَيد الطويل وعنه فضيل بن عياض، وكان متعبدا شجاعا (ت: ١٨١ﻫ) انظر: صفة الصفوة: ٤/١٣٤ وتهذيب الأسماء: ١/٢٨٥ وطبقات الحفاظ: ١١٧..
٤٦ - زيادة من أ تليق بالمقام..
٤٧ - ساقط من م..
٤٨ - لم أقف على هذا الحديث..
٤٩ - ث، أ: فيقول..
٥٠ - الأنبياء: ٢٠..
٥١ - الحبائك: ١٤٧ بنحوه..
٥٢ - انظر جامع البيان: ٢٩/١٦٢ وإعراب النحاس: ٥/٧١..
٥٣ - ث: عظمة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى