الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿وَلاَ تَمْنُن﴾ : العامَّةُ على فَكِّ الإِدغام. والحسن وأبو السَّمَّال بالإِدغام. قد تَقَدَّم أنَّ المجزومَ/ والموقوفَ من هذا النوع يجوزُ فيهما الوجهانِ، وقد تقدَّم تحقيقُه في المائدة عند ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ﴾ [المائدة: ٥٤]. والمشهور أنه من المَنِّ، وهو الاعتدادُ على المُعْطي بما أعطاه. وقيل :" لا تَضْعُفْ " مِنْ قولِهم : حبلٌ مَنينٌ أي : ضعيفٌ.
قوله :﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ العامَّةُ على رفعِه، وفيه وجهان، أحدهما : أنه في موضع الحالِ أي : لا تَمْنُنْ مُسْتَكْثِراً ما أعطَيْتَ. وقيل : معناه : لِتَأْخُذْ أكثرَ مِمَّا أَعْطَيْتَ. والثاني : أنَّه على حَذْفِ " أَنْ " يعني أنَّ الأصلَ : ولا تَمْنُنْ أَنْ تستكثرَ، فلمَّأ حُذِفَتْ " أَنْ " ارتفع الفعلُ كقولِه :
ألا أيُّهذا الزَّاجري أَحْضُرُ الوغى ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في إحدى الروايَتَيْن، قاله الزمخشري، ولم يُبَيِّنْ : ما محلُّ " أَنْ " وما في حَيِّزها. وفيه وجهان، أظهرهما وهو الذي يُريده هو أنَّها في محلِّ نصبٍ أو جرٍّ على الخلافِ فيها بعد حَذْفِ حرف الجر، وهو هنا لامُ العلة تقديرُه : ولا تَمْنُنْ لأَنْ تَسْتكْثِرَ. والثاني : أنَّها في محلِّ نصبٍ فقط مفعولاً بها أي : لا تَضْعُفْ أَنْ تَسْتكْثِرَ. من الخير، قاله مكي، وقد تَقَدَّم لك أنَّ " تَمْنُنْ " بمعنى تَضْعُف، وهو قولُ مجاهدٍ، إلاَّ أنَّ الشيخَ قال بعد كلامِ الزمخشريِّ :" وهذا لا يجوزُ أن يُحملَ القرآنُ عليه ؛ لأنَّ ذلك لا يجوزُ إلاَّ في الشعرِ، ولنا مَنْدوحة عنه مع صحةِ معنى الحالِ " قلت : قد سبقه مكيٌّ وغيرُه إلى هذا. وأيضاً فقولُه :" في الشعر " ممنوعٌ ؛ هؤلاء الكوفيون يُجيزون ذلك وأيضاً فقد قرأ الحسن والأعمش " تَسْتَكْثِرَ " نصباً، وهو على إضمار " أَنْ " كقولهم :" مُرْهُ يَحْفِرَها " وأَبلَغُ مِنْ ذلك التصريحُ بأنْ في قراءةِ عبد الله :" ولا تَمْنُنْ أَنْ تستكثرَ ".
وقرأ الحسنُ أيضاً وبانُ أبي عبلة " تستكثِرْ " جزماً، وفيه ثلاثةُ أوجه، أحدُها : أَنْ يكونَ بدلاً من الفعلِ قبله، كقولِه تعالى :﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩] ف " يُضاعَفْ " بدلٌ مِنْ " يَلْقَ " وكقولِه :
مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بنا في ديارِناتَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تَأجَّجا
ويكونُ من المَنِّ الذي في قولِه :﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] الثاني : أن يُشَبَّه ( ثِرْوَ ) ب " عَضُد " فيُسَكَّنَ تخفيفاً، قاله الزمخشري، يعني أنه تَأْخُذُ من مجموعِ " تَسْتكثر " ومن الكلمةِ بعده وهو الواوُ ما يكون فيه شبيهاً ب " عَضُد ". ألا ترى أنه قال :" أنْ يُشَبَّه ثِرْوَ " فأخذ بعضَ " تَسْتكثر " وهو الثاءُ والراءُ وحرفَ العطفِ مِنْ قولِه :﴿ولربِّك فاصبِرْ﴾.
وهذا كما قالوا في قولِ امرِىء القيس :
فاليومَ أشرَبْ غيرَ مُسْتَحْقِبٍإثماً من الله ولا واغلِ
بتسكين " أَشْرَبْ " : إنهم أخذوا من الكلمتين ( رَبْغ ) ك عَضُد، ثَم سُكِّن. وقد تقدَّم في سورةِ يوسف في قراءة قنبل ﴿مَن يَتَّقِي﴾ [يوسف: ٩٠] بثبوت الياءِ أنَّ " مَنْ " موصولةٌ، فاعْتُرِض بجزم " يَصْبِرْ " فأجيب : بأنه شبه ( بِرُف ) أخذوا الباءَ والراءَ مِنْ " يَصْبر "، والفاءَ مِنْ " فإنَّ " وهذا نظيرُ تيْكَ سواءً. الوجه الثالث أَنْ يُعْتَبَرَ حالُ الوقفِ ويُجْرَى الوصلُ مُجْراه، قاله الزمخشريُّ أيضاً، يعني أنه مرفوعٌ، وإنما سُكِّن تخفيفاً، أو أُجْري الوصلُ مُجْرى الوقف. قال الشيخ :" وهذان لا يجوزُ أَنْ يُحْمَلَ عليهما مع وجودِ أرجحَ منهما، وهو البدل ". قلت : الحقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ، كيف يُعْدَلُ إلى هذَيْن الوجهَيْن مع ظهورِ البدلِ معنىً وصحةً وصناعةً ؟

تفسير هذه الآية من كتب أخرى