البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
وقرأ الجمهور :﴿ولا تمنن﴾، بفك التضعيف ؛ والحسن وأبو السمال : بشد النون.
قال ابن عباس وغيره : لا تعط عطاء لتعطي أكثر منه، كأنه من قولهم : منّ إذا أعطى.
قال الضحاك : هذا خاص به ﷺ، ومباح ذلك لأمته، لكنه لا أجر لهم.
وعن ابن عباس أيضاً : لا تقل دعوت فلم أجب.
وعن قتادة : لا تدل بعملك.
وعن ابن زيد : لا تمنن بنبوتك، تستكثر بأجر أو كسب تطلبه منهم.
وقال الحسن : تمنن على الله بجدك، تستكثر أعمالك ويقع لك بها إعجاب، وهذه الأقوال كلها من المنّ تعداد اليد وذكرها.
وقال مجاهد :﴿ولا تمنن تستكثر﴾ ما حملناك من أعباء الرسالة، أو تستكثر من الخير، من قولهم : حبل متين : أي ضعيف.
وقيل : ولا تعط مستكثراً رائياً لما تعطيه.
وقرأ الجمهور : تستكثر برفع الراء، والجملة حالية، أي مستكثراً.
قال الزمخشري : ويجوز في الرفع أن تحذف أن ويبطل عملها، كما روي : أحضر الوغى بالرفع.
انتهى، وهذا لا يجوز أن يحمل القرآن عليه، لأنه لا يجوز ذلك إلا في الشعر، ولنا مندوحة عنه مع صحة الحال، أي مستكثراً.
وقرأ الحسن وابن أبي عبلة : بجزم الراء، ووجهه أنه بدل من تمنن، أي لا تستكثر، كقوله :﴿يضاعف له العذاب﴾ في قراءة من جزم، بدلاً من قوله :﴿يلق﴾ وكقوله :
متى تأتنا تلمم بنا في ديارناتجد حطباً جزًلا وناراً تأججا
ويكون من المن الذي في قوله تعالى :﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى﴾ لأن من شأن المان أن يستكثر ما يعطي أن يراه كثيراً ويعتد به ؛ وأجاز الزمخشري فيه وجهين، أحدهما : أن تشبه ثرو بعضد فتسكن تخفيفاً ؛ والثاني : أن يعتبر حال الوقف، يعني فيجري الوصل مجرى الوقف، وهذان لا يجوز أن يحمل القرآن عليهما مع وجود ما هو راجح عليهما، وهو المبدل.
وقرأ الحسن أيضاً والأعمش : تستكثر بنصب الراء، أي لن تحقرها.
وقرأ ابن مسعود : أن تستكثر، بإظهار أن.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى