المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى :﴿ولا تمنن تستكثر﴾. فقال ابن عباس وجماعة معه : لا تعط عطاء لتعطى أكثر منه، فكأنه من قولهم، من إذا أعطى، قال الضحاك، وهذا خاص بالنبي عليه السلام، ومباح لأمته لكن لا أجر لهم فيه. قال مكي : وهذا معنى قوله تعالى :﴿وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله﴾(١) [الروم: ٣٩]، وهذا معنى أجنبي من معنى هذه السورة. وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال :﴿ولا تمنن تستكثر﴾ لا تقل دعوت فلم أجب وروى قتادة أن المعنى لا تدل بعملك(٢)، ففي هذا التأويل تحريض على الجد وتخويف، وقال ابن زيد : معناه ﴿ولا تمنن﴾ على الناس بنبوءتك ﴿تستكثر﴾ بأجر أو بكسب تطلبه منهم. وقال الحسن بن أبي الحسن : معناه ﴿ولا تمنن﴾ على الله بجدك ﴿تستكثر﴾ أعمالك ويقع لك بها إعجاب، فهذه كلها من المن الذي هو تعديد اليد وذكرها. وقال مجاهد : معناه ولا تضعف ﴿تستكثر﴾ ما حملناك من أعباء الرسالة وتستكثر من الخير، فهذه من قولهم حبل منين أي ضعيف(٣)، وفي قراءة ابن مسعود :«ولا تمنن أن تستكثر »، وقرأ الحسن بن أبي الحسن :«تستكثرْ » بجزم الراء، وذلك كأنه قال لا تستكثر، وقرأ الأعمش :«تستكثرَ » بنصب الراء، وذلك على تقدير أن مضمرة وضعف أبو حاتم الجزم، وقرأ ابن أبي عبلة :«ولا تمنن فتستكثرْ » بالفاء العاطفة والجزم، وقرأ أبو السمال :«ولا تمنّ » بنون واحدة مشددة.
١ من الآية ٣٩ من سورة الروم..
٢ من قولهم: "أدل عليه" بمعنى: وثق بمحبته فأفرط عليه، وهي بمعنى تدلل عليه..
٣ ذكر ابن عطية ستة أقوال في الآية، وذكر القرطبي فيها أحد عشر تأويلا..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى