جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

بسم الله الرحمَن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى :﴿قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيَ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قَدْ سَمِعَ اللّهُ يا محمد قَوْلَ الّتي تجادلُكَ فِي زَوْجِها والتي كانت تجادل رسول الله ﷺ في زوجها امرأة من الآنصار.
واختلف أهل العلم في نسبها واسمها، فقال بعضهم : خولة بنت ثعلبة، وقال بعضهم : اسمها خُوَيلة بنت ثعلبة.
وقال آخرون : هي خويلة بنت خويلد. وقال آخرون : هي خويلة بنت الصامت. وقال آخرون : هي خويلة ابنة الدليج وكانت مجادلتها رسول الله ﷺ في زوجها، وزوجها أوس بن الصامت، مراجعتها إياه في أمره، وما كان من قوله لها : أنتِ عليّ كظهر أمي. ومحاورتها إياه في ذلك، وبذلك قال أهل التأويل، وتظاهرت به الرواية. ذكر من قال ذلك، والآثار الواردة به :
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا أبو داود، قال : سمعت أبا العالية يقول : إن خويلة ابنة الدليج أتت النبيّ ﷺ وعائشة تغسل شقّ رأسه، فقالت : يا رسول الله، طالت صحبتي مع زوجي، ونفضت له بطني، وظاهَرَ مني فقال رسول الله ﷺ :«حَرُمْتِ عَلَيْهِ » فقالت : أشكو إلى الله فاقتي، ثم قالت : يا رسول الله طالت صحبتي، ونفضت له بطني، فقال رسول الله ﷺ :«حَرُمْتِ عَلَيْهِ » فجعل إذا قال لها :«حرمت عليه »، هتفت وقالت : أشكو إلى الله فاقتي، قال : فنزل الوحي، وقد قامت عائشة تغسل شقّ رأسه الآخر، فأومأت إليها عائشة أن اسكتي، قالت : وكان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي أخذه مثل السبات، فلما قضي الوحي، قال :«ادْعي زَوْجَكِ »، فَتَلاها عَلَيْهِ رسول الله ﷺ : قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الّتِي تجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكي إلى اللّهِ واللّهُ يَسْمَع تَحاوُرَكُما. . . إلى قوله : والّذِين يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائهِمْ ثُمّ يَعُودُونَ لِمَا قالُوا : أي يرجع فيه فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أن يَتَماسّا أتَسْتَطَيعُ رَقَبَةً ؟ قال : لا، قال : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ قال : يا رسول الله، إني إذا لم آكل في اليوم ثلاث مرّات خشيت أن يعشو بصري قال : فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فإطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِينا قال :«أتَسْتَطيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتّينَ مِسْكِينا ؟ » قال : لا يا رسول الله إلا أن تعينني، فأعانه رسول الله ﷺ فأطعم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، . قال : ذُكر لنا أن خويلة ابنة ثعلبة، وكان زوجها أوس بن الصامت قد ظاهر منها، فجاءت تشتكي إلى رسول الله ﷺ، فقالت : ظاهر مني زوجي حين كبر سني، ورقّ عظمي فأنزل الله فيها ما تسمعون : قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الّتِي تجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكي إلى اللّهِ فقرأ حتى بلغ لَعَفُوّ غَفُورٌ وَالّذِينَ يُظاهرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمّ يَعُودُونَ لِمَا قالُوا يريد أن يغشى بعد قوله ذلك، فدعاه رسول الله ﷺ فقال له :«أتَسْتَطِيعُ أنْ تحَرّرَ مُحَرّرا ؟ قال : مالي بذلك يدان، أو قال : لا أجد، قال :«أتَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْن مُتَتَابِعَيْنِ ؟ » قال : لا والله إنه إذا أخطأه المأكل كل يوم مرارا يكلّ بصره، قال :«أتَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتّينَ مِسْكِينا ؟ » قال : لا والله، إلا أن تعينني منك بعون وصلاة. قال بشر، قال يزيد : يعني دعاء فأعانه رسول الله ﷺ بخمسة عشر صاعا، فجمع الله له، والله غفور رحيم.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله : قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الّتِي تجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكي إلى اللّهِ واللّهُ يَسْمَع تَحاوُرَكُما قال : ذاك أوس بن الصامت ظاهر من امرأته خويلة ابنة ثعلبة قالت : يا رسول الله كبر سني، ورق عظمي، وظاهر مني زوجي، قال : فأنزل الله : الّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهمْ. . . إلى قوله ثُمّ يَعُودُونَ لِمَا قالُوا يريد أن يغشى بعد قوله فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فدعاه إليه نبيّ الله ﷺ فقال : هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً ؟ قال : لا قال : أفَتَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْن مْتَتابِعينَ ؟ قال : إنه إذا أخطأه أن يأكل كلّ يوم ثلاث مرّات يكلّ بصره قال : أتَسْتَطَيعُ أنْ تطعِمَ سِتّينَ مِسْكِينا ؟ قال : لا، إلا أن يعينني فيه رسول الله ﷺ بعون وصلاة، فأعانه رسول الله ﷺ بخمسة عشر صاعا، وجمع الله له أمره، والله غفور رحيم.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي حمزة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية : أنت عليّ كظهر أمي حَرُمت في الإسلام، فكان أوّل من ظاهر في الإسلام أوس بن الصامت، وكانت تحته ابنة عمّ له يقال لها خويلة بنت خُوَيلد وظاهر منها، فأُسْقِطَ في يديه وقال : ما أراكِ إلا قد حَرُمْتِ عليّ، وقالت له مثلَ ذلك، قال : فانطلقي إلى رسول الله ﷺ قال : فأتت رسول الله ﷺ، فوجدتْ عنده ماشطة تمشطُ رأسه، فأخبرته، فقال :«يا خُوَيْلَة ما أمرْنا فِي أمْرِكِ بِشَيْءٍ »، فأنزل الله على رسول الله ﷺ، فقال :«يا خُوَيْلَةُ أبْشِرِي »، قالت : خيرا، قال : فقرأ عليها رسول الله ﷺ : قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الّتِي تجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكي إلى اللّهِ. . . إلى قوله : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أنُ يَتَماسّا قالت : وأيّ رقبة لنا، والله ما يجد رقبة غيري، قال : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيام شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَين قالت : والله لولا أنه يشرب في اليوم ثلاث مرّات لذهب بصره، قال : فَمَنْ لم يَستَطِعْ فإطعامُ سِتّينَ مِسْكِينا قالت : من أين ؟ ما هي إلا أكلة إلى مثلها، قال : فرعاه بشطر وَسْق ثلاثين صاعا والوَسْق ستون صاعا فقال :«لِيُطْعِمْ سِتّينَ مِسْكِينا وَلِيُرَاجِعْكِ ».
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الّتِي تجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكي إلى اللّهِ. . . إلى قوله : فإطْعامُ سِتّينَ مِسْكِينا، وذلك أن خولة بنت الصامت امرأة من الأنصار ظاهر منها زوجها، فقال : أنت عليّ مثل ظهر أمي، فأتت رسول الله ﷺ فقالت : إن زوجي كان تزوّجني، وأنا أحَبّ، حتى إذا كبرت ودخلت في السنّ قال : أنت عليّ مثل ظهر أمي، فتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رُخصة يا رسول الله تَنْعَشني وإياه بها فحدّثني بها، فقال رسول الله ﷺ :«ما أُمِرْتُ فِي شأنِكِ بِشَيْءٍ حتى الاَنَ، وَلَكِنْ ارْجِعي إلى بَيْتِكِ، فإنْ أُومَرْ بِشَيْءٍ لا أغْمِمْهُ عَلَيْكِ إنْ شاءَ اللّهُ » فرجعت إلى بيتها، وأنزل الله على رسوله ﷺ في الكتاب رخصتها ورخصة زوجها : قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الّتِي تجادِلُكَ فِي زَوْجِها. . . إلى قوله : وَللكافِرِينَ عَذَابٌ أليمٌ فأرسل رسول الله ﷺ إلى زوجها فلما أتاه قال له رسول الله ﷺ :«ما أرَدْتَ إلى يَمِينِكَ الّتِي أقْسَمْتَ عَلَيْها ؟ » فقال : وهل لها كفّارة ؟ فقال له رسول الله ﷺ :«هَلْ تَسْتَطيعُ أنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً ؟ » قال : إذا يذهب مالي كله، الرقبة غالية وأنا قليل المال، فقال له رسول الله ﷺ :«فَهَلْ تَسْتَطيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَين ؟ » قال : لا والله لولا أني آكل في اليوم ثلاث مرّات لكلّ بصري، فقال له رسول الله ﷺ :«هَلْ تَسْتَطيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتّينَ مِسْكِينا ؟ قال : لا والله إلا أن تعينني على ذلك بعون وصلاة، فقال رسول الله ﷺ :«إنّي مُعِينُكَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعا، وأنا دَاعٍ لَكَ بالبَرَكَةِ » فأصلح ذلك بينهما.
قال : وجعل فيه تحرير رقبة لمن كان مُوسرا لا يكفر عنه إلا تحرير رقبة إذا كان موسرا من قبل أن يتماسا، فإن لم يكن موسرا فصيام شهرين متتابعين، لا يصلح له إلا الصوم إذا كان معسرا، إلا أن لا يستطيع، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، وذلك كله قبل الجماع.
حدثنا ابن حَميد، قال : حدثنا مهران، عن أبي معشر المدني، عن محمد بن كعب القرظيّ، قال : كانت خولة ابنة ثعلبة تحت أوس بن الصامت، وكان رجلاً به لمم، فقال في بعض هجراته : أنت عليّ كظهر أمي، ثم ندم على ما قال، فقال لها : ما أظنك إلا قد حرمتِ عليّ قالت : لا تقل ذلك، فوالله ما أحبّ الله طلاقا. قالت : أئت رسول الله ﷺ فسله، فقال : إني أجدني أستحي منه أن أسأله عن هذا، فقالت : فدعني أن أسأله، فقال لها : سليه فجاءت إلى رسول الله ﷺ، فقالت : يا نبيّ الله إن أوس بن الصامت أبو ولدي، وأحبّ الناس إليّ، قد قال كلمة، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا، قال : أنت عليّ كظهر أمي، فقال النبي ﷺ :«ما أرَاكِ إلاّ قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ »، قالت : لا تقل ذلك با نبيّ الله، والله ما ذكر طلاقا فرادت النبي ﷺ مرارا، ثم قالت : اللهم إنّي أشكو اليوم شدّة حالي ووحدتي، وما يشقّ عليّ من فراقه، اللهم فأنزل على لسان نبيك، فلم تَرِمْ مكانها حتى أنزل الله قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الّتِي تجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكي إلى اللّهِ إلى أن ذكر الكفارات، فدعاه النبيّ ﷺ فقال :«أعْتِقْ رَقَبةً »، فقال لا أجد، فقال :«صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَين » قال : لا أستطيع، إني لأصوم اليوم الواحد فيشقّ عليّ قال :«أطعمْ سِتّينَ مِسْكْينا ؟ » قال : أما هذا فَنَعَمْ.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر عن أبي إسحاق قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الّتِي تجادِلُكَ فِي زَوْجِها قال نزلت في امرأة اسمها خولة، وقال عكرمة اسمها خويلة، ابنة ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت جاءت النبيّ ﷺ، فقالت : إن زوجها جعلها عليه كظهر أمه، فقال النبي ﷺ :«ما أرَاكِ إلاّ قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ »، وهو حينئذ يغسل رأسه، فقالت : انظر جُعلت فداك يا نبيّ الله، فقال :«ما أرَاكِ إلاّ قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ »، فقالت : انظر في شأني يا رسول الله، فجعلت تجادله، ثم حوّل رأسه ليغسله، فتحوّلت من الجانب الاَخر، فقالت :

تفسير هذه الآية من كتب أخرى