الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى﴾ :" يكونُ " تامةٌ و " من نَجْوى " فاعلُها، و " مِنْ " مزيدةٌ فيه. ونجوى في الأصل مصدرٌ فيجوزُ أَنْ يكونَ باقياً على أصلِه، ويكون مضافاً لفاعِله، أي : ما يوجَدُ مِنْ تناجي ثلاثةٍ، ويجوز أَنْ يكونَ على حَذْفِ مضافٍ أي : مِنْ ذوي نَجْوى، ويجوزُ أَنْ يكونَ أطلق على الأشخاصِ المتناجينِ مبالغةً، فعلى هذَيْن الوجهَيْن ينخفضُ " ثلاثة " على أحدِ وجْهَين : إمَّا البدلِ مِنْ ذوي المحذوفة، وإمَّا الوصفِ لها على التقدير الثاني، وإمَّا البدلِ أو الصفةِ ل " نَجْوَى " على التقدير الثالث.
وقرأ ابن أبي عبلة " ثلاثةً " و " خمسةً " نصباً على الحال، وفي صاحبها وجهان، أحدهما : أنه محذوفٌ مع رافعِه، تقديرُه : يتناجَوْن ثلاثةً، وحُذف لدلالةِ " نجوى " عليه. والثاني : أنه الضمير المستكِنُّ في " نجوى " إذا جَعَلْناها بمعنى المتناجِين، قاله الزمخشريُّ. قال مكي :" ويجوز في الكلام رَفْعُ " ثلاثة " على البدل مِنْ موضع " نَجْوى "، لأنَّ موضعَها رفعٌ و " مِنْ " زائدةٌ، ولو نصَبْتَ " ثلاثة " على الحال من الضمير المرفوع إذا جَعَلْتَ " نجوى " بمعنى المتناجين جازَ في الكلام "، قلت : أمَّا الرفعُ فلم يُقْرَأْ به فيما عَلِمْتُ، وهو جائزٌ في غير القرآن كما قال، وأمَّا النصبُّ فقد عَرَفْتَ مَنْ قرأ به فكأنَّه لم يَطَّلعْ عليه.
قوله :﴿إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، ﴿إلاَّ هو سادسهم﴾، ﴿إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ كلُّ هذه الجملِ بعد " إلاَّ " في موضعِ نصبٍ على الحالِ أي : ما يوجَدُ شَيْءٌ من هذه الأشياءِ إلاَّ في حالٍ مِنْ هذه الأحوالِ، فالاستثناءُ مفرَّغٌ من الأحوال العامة.
وقرأ أبو جعفر :﴿ما تكونُ﴾ بتاءِ التأنيث لتأنيث النجوى. قال أبو الفضل : إلاَّ أنَّ الأكثرَ في هذا البابِ التذكيرُ على ما في العامة ؛ لأنه مُسْنَدٌ إلى ﴿مِنْ نجوى﴾، وهو اسمُ جنسٍ مذكرٌ.
قوله :﴿وَلاَ أَكْثَرَ﴾ العامَّةُ على الجرِّ عطفاً على لفظ ﴿نجوى﴾. وقرأ الحسن والأعمش وابن أبي إسحاق وأبو حيوة ويعقوبُ ﴿ولا أكثرُ﴾ بالرفع، وفيه وجهان، أحدُهما : أنه معطوفٌ على موضع " نَجْوى " لأنه مرفوعٌ، و " مِنْ " مزيدةٌ فيه، فإن كان مصدراً كان على حَذْفِ مضافٍ كما تقدَّم أي : مِنْ ذوي نجوى، وإن كان بمعنى المتناجِين فلا حاجةَ إلى ذلك. والثاني : أن يكونَ " أَدْنى " مبتدأ، و ﴿إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ خبرُه، فيكون ﴿ولا أكثرُ﴾ عطفاً على المبتدأ، وحينئذ يكون ﴿ولا أَدْنَى﴾ من باب عطفِ الجملِ لا المفرداتِ.
وقرأ الحسن ويعقوب أيضاً ومجاهد والخليل " ولا أكبرُ " بالباء الموحدة والرفعِ على ما تقدَّم. وزيد بن علي " يُنْبِهِمْ " مِنْ أَنْبأ ؛ إلاَّ أنه حذف الهمزةَ وكسرَ الهاءَ، وقُرِىء كذلك، إلاَّ أنَّه بإثباتِ الهمزةِ وضمِّ الهاءِ. والعامَّةُ بالتشديد مِنْ نَبَّأ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى