السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني
عن الكتاب
ولما ذكر تعالى كيفية أعمال المؤمنين المخلصين ذكر أنه تعالى لا يكلف أحداً فوق طاقته بقوله تعالى :﴿ولا نكلف نفساً إلا وسعها﴾ أي : طاقتها، فمن لم يستطع أن يصلي الفرض قائماً فليصل قاعداً، ومن لم يستطع أنّ يصلي قاعداً فليصل مضطجعاً، ومن لم يستطع أنّ يصوم رمضان فليفطر ؛ لأنّ مبنى المخلوق على العجز ﴿ولدينا﴾ أي : وعندنا ﴿كتاب ينطق بالحق﴾ بما عملته كل نفس، وهو اللوح المحفوظ تسطر فيه الأعمال، وقيل : كتب الحفظة ونظيره قوله تعالى :﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾ [ الجاثية، ٢٩ ]، وقوله تعالى :﴿لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾ [ الكهف، ٤٩ ]، فشبه تعالى الكتاب بمن يصدر عنه البيان، فإن الكتاب لا ينطق لكنه يعرف بما فيه كما يعرف بنطق الناطق إذا كان محقاً فإن قيل : ما فائدة ذلك الكتاب مع أنّ الله تعالى يعلم ذلك إذ لا تخفى عليه خافية ؟ أجيب : بأنّ الله تعالى يفعل ما يشاء، وقد يكون في ذلك حكمة لا يطلع عليها إلا هو تعالى ﴿وهم﴾ أي : الخلق كلهم ﴿لا يظلمون﴾ أي : لا ينقص من حسناتهم، ولا يزاد في سيئاتهم.