الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ : قيل : هو تأكيد للأول لتلازُمِهِا. وقيل : أراد استمرارَ الحكم بينهم فيما يَسْتقبِلُ، كما هو في الحال ما داموا مشركين وهُنَّ مؤمناتٌ. وقوله :" المؤمنات " تسميةٌ للشيء بما يقارِبُه ويُشارِفُه أو في الظاهر. وقُرِىء " مُهاجراتٌ " بالرفع وخُرِّجَتْ على البدلِ. الجملةُ مِنْ قولِه :﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ فائدتُها : بيان أنَّه لا سبيلَ لكم إلى ما تطمئنُّ به النفس ويُثلج الصدرَ من الإِحاطة بحقيقةِ إيمانهنَّ، فإنَّ ذلك ممَّا استأثر اللهُ به. قاله الزمخشري : وسُمِّي الظنُّ الغالِبُ في قولِه :" عَلِمْتُموهُنَّ " عِلْماً لما بينهما من القُرْب، كما يقع الظنُّ موقعَه. وتقدَّم ذلك في البقرة.
وقوله :﴿أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ أي : في أَنْ. وقوله :{ إذا آتيْتُمُوهُنَّ ج يجوزُ أَنْ يكونَ ظرفاً مَحْضاً، وأَنْ يكونَ شرطاً، جوابُه مقدَّرٌ أي : فلا جُناحَ عليكم.
قوله :﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ﴾ قرأ أبو عمرو في آخرين بضم التاء وفتح الميم وشدِّ السين، وباقي السبعة بتخفيفها مِنْ مَسَّك وأَمْسَك بمعنىً واحد. ويقال : أَمْسَكْتُ الحَبْل إمساكاً ومَسَّكْتُه تَمْسكياً. وفي التشديد مبالغةٌ، والمخفَّفُ صالحٌ لها أيضاً. وقرأ الحسن وابنُ أبي ليلى وأبو عمروٍ وابنُ عامرٍ في روايةٍ عنهما " تَمَسَّكُوا " بالفتح في الجميعِ وتشديدِ السينِ. والأصلُ : تَتَمسَّكوا بتاءين، فحُذِفَتْ إحداهما. وعن الحسن أيضاً " تَمْسِكوا " مضارع مَسَكَ ثلاثياً. والعِصَمُ : جمع عِصْمة، والكوافر : جمع كافرة كضَوارب في ضاربة. ويُحكى عن الكَرْخِيِّ الفقيهِ المعتزليِّ أنه قال : الكوافِرُ يشملُ الرجالَ والنساءَ. قال الفارسي :/ " فقلت له : النَّحْويون لا يَرَوْن هذا إلاَّ في النساءِ جمعَ " كافرة " فقال : أليس يُقال : طائفة كافرة، وفِرْقَةٌ كافرة. قال أبو علي : فبُهِتُّ وقلتُ : هذا تأييدٌ إلهيٌّ " قلت : وإنما أُعْجِبَ بقولِه لكونِه معتزليّاً مثلَه. والحقُّ أنه لا يجوز " كافِرة " وصفاً للرجال، إلاَّ أن يكونَ الموصوفُ مذكوراً نحو : هذه طائفة كافرة، أو في قوةِ المذكور. أمَّا أنه يقال :" كافرة " باعتبارِ الطائفة غير المذكورة، ولا في قوةِ المذكورة بل لمجردِ الاحتمالِ، ويُجمع جَمْعَ فاعِلة، فهذا لا يجوزُ. وقولُ الفارسي :" لا يَرَوْنَ هذا إلاَّ في النساء " صحيحٌ ولكنه الغالِبُ. وقد يُجْمَعُ فاعِل وصفُ المذكرِ العاقلِ على فواعِل وهو محفوظٌ نحو : فوارِس ونواكِس.
قوله :﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ فيه وجهان، أحدُهما : أنه مستأنفٌ لا محلَّ له. والثاني : أنه حالٌ مِنْ " حُكْمُ ". والراجعُ : إمَّا مستترٌ أي : يحكم هو أي : الحكم على المبالغةِ، وإمَّا محذوفٌ أي : يحكمُه وهو الظاهرُ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى