اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ المؤمنات مُهَاجِرَاتٍ﴾ الآية لما أمر المسلمين بترك موالاة [ المشركين ](١) اقتضى ذلك مهاجرة المسلمين من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، وكان التناكح من أوكد أسباب الموالاة، فبين أحكام مهاجرة النساء(٢).
قال ابن عباس رضي الله عنهما : جرى الصُّلح مع مشركي قريش عام الحديبية على أن من أتاه من أهل «مكة » رده إليهم، فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب، والنبي ﷺ بالحديبية بعد، فأقبل زوجها - وكان كافراً - وهو صيفي بن راهب.
وقيل : مسافر المخزومي، فقال : يا محمد، اردد عليّ امرأتي فإنك شرطت ذلك، وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية(٣).
وقيل : جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فجاء أهلها يسألون رسول الله ﷺ أن يردها.
وقيل : هربت من زوجها عمرو بن العاص، ومعها أخواها عمارة والوليد، فرد رسول الله إخوتها، وحبسها فقالوا للنبيّ ﷺ ردها علينا للشرط، فقال النبي ﷺ : كان الشَّرط في الرجال لا في النساء، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية(٤).
وعن عروة قال : كان مما اشترط سهيل بن عمرو على النبيِّ ﷺ في الحديبية ألاَّ يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه فكرهَ المؤمنون ذلك، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي ﷺ على ذلك، فردّ يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا ردّه في تلك المدة وإن كان مسلماً، حتى أنزل الله في المؤمنات ما أنزل، يومئ إلى أن الشرط في رد النساء نسخ بذلك.
وقيل(٥) : إن التي جاءت أميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الشمراخ، ففرت منه، وهو يومئذ كافرٌ، فتزوَّجها سهيل بن حنيف، فولدت له عبد الله. قاله زيد بن حبيب، نقله الماورديّ(٦). وأكثر أهل العلم أنها أم كلثوم بنت عقبة(٧).
قوله :﴿المؤمنات﴾ تسمية للشيء بما يدلي إليه ويقاربه ويشارفه ؛ أو في الظاهر(٨).
وقرئ «مُهَاجِرَاتٌ »(٩) - بالرفع - وخرجت على البدل.
فصل في دخول النساء عقد المهادنة لفظاً أو عموماً(١٠) :
اختلفوا هل دخل النساء في عقد المهادنة لفظاً أو عموماً ؟، فقالت طائفة : كان شرط ردهن في عقد الهُدنة صريحاً، فنسخ الله ردّهن من العقد ومنع منه، وبقاه في الرجال على ما كان، وهذا يدل على أن للنبي ﷺ أن يجتهد رأيه في الأحكام، ولكن لا يقرّه الله على خطأ.
وقالت طائفة : لم يشترط ردّهن في العقد لفظاً، وإنما أطلق العقد في ردِّهن أسلم، فكان ظاهر العموم اشتماله عليهن مع الرجال، فبين الله تعالى خروجهن عن عمومه، وفرق بينهن وبين الرجال لأمرين :
أحدهما : أنهن ذوات فروج يحرمن عليهم.
الثاني : أنهن أرقّ قلوباً، وأسرع تقلباً منهم، فأما المقيمة منهن على شركها فمردودة عليهم. ومن أسلمت فلا تردوها.
قوله :﴿فامتحنوهن﴾.
قيل(١١) : إنه كان من أرادت منهن إضرار زوجها، قالت : سأهاجر إلى محمد ﷺ فلذلك أمر النبي ﷺ بامتحانهن، واختلفوا فيما كان يمتحنهن به.
فقال ابن عباس : كان يمتحنهن بأن يُسْتَخْلَفْنَ بالله أنها ما خرجت من بغض زوجها، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقاً لرجل من المسلمين، ولا لحدث أحدثته، وما خرجت إلا رغبة في الإسلام، وحب الله ورسوله، فإذا حلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك أعطى النبي ﷺ زوجها مهرها، وما أنفق عليها، ولم يردها، فذلك قوله تعالى :﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾(١٢).
وروي عن ابن عباس أيضاً : أن المحنة كانت أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله(١٣).
وروى معمر عن الزهري عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : ما كان رسول الله ﷺ يمتحنهن إلا بالآية التي قال الله تعالى :﴿إِذَا جَاءَكَ المؤمنات يُبَايِعْنَكَ على أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بالله شَيْئاً﴾(١٤).
خرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
قال أكثر العلماء على أن هذا ناسخ لما كان عليه الصلاة والسلام عاهد عليه قريشاً من أنه يرد عليهم من جاءه منهم مسلماً، فنسخ من ذلك النساء. وهذا مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن.
قال القرطبي(١٥) : ولا يجوز أن يهادن الإمام العدو على أن يرد عليهم من جاءه مسلماً ؛ لأن إقامة المسلم بأرض الشرك لا تجوز، وهذا مذهب الكوفيين، وأجاز مالك عقد الصلح على ذلك. واحتج الكوفيون بأنَّ رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى قوم خثعم، فاعتصموا بالسجود فقتلهم، فوداهم رسول الله ﷺ [ بنصف الدية ](١٦) وقال :" أنَا بَريءٌ مِن كُلِّ مسلمٍ أقَامَ مع مُشركٍ بدارِ الحَرْبِ لا تَراءَى نَاراهُما " قالوا : فهذا ناسخ لرد المسلمين إلى المشركين، إذ كان رسول الله ﷺ قد برىء ممن أقام معهم في دار الحرب. ومذهب مالك والشافعيِّ أن هذا الحكم غير منسوخ.
قال الشافعي : وليس لأحد هذا العقد إلا الخليفة أو [ رجل ](١٧) يأمره، فمن عقد غير الخليفة هذا العقد فهو مردود(١٨).
قوله :﴿الله أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾هذه الجملة فائدتها بيان أنه لا سبيل لكم إلى ما تطمئن به النفس ويثلج الصدر من الإحاطة بحقيقة إيمانهن، فإن ذلك مما استأثر الله به.
قاله الزمخشري(١٩)، أي(٢٠) : هذا الامتحان لكم، والله أعلم بإيمانهن، لأنه متولي السرائر، وسمَّى الظن الغالب في قوله :﴿عَلِمْتُمُوهُنَّ﴾ علماً لما بينهما من القرب كما يقع الظَّن موقعه، وتقدم ذلك في البقرة(٢١).
قوله :﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾أي : بما يظهرن من الإيمان. وقيل : أي : علمتموهن مؤمنات قبل الامتحان(٢٢) ﴿فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ وقوله :﴿وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ تأكيد للأول لتلازمهما، وقيل : أراد استمرار الحكم بينهم فيما يستقبل كما هو في الحال ما داموا مشركين وهن مؤمنات(٢٣).
معنى الآية(٢٤) : لم يحل الله مؤمنة لكافر، وهذا أول دليل على أنَّ الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها الكافر إسلامها لا هجرتها.
وقال أبو حنيفة : الذي فرق بينهما هو اختلاف الدَّارين.
والصحيح الأول ؛ لأن الله - تعالى - بين العلّة، وهو عدم الحل بالإسلام لا باختلاف الدار.
قوله :﴿وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُواْ﴾.
أمر الله - تعالى - إذا أمسكت المرأة المسلمة أن يردّ على زوجها ما أنفق، وذلك من الوفاء بالعهدِ ؛ لأنه لما منع من أهله بحرمة الإسلام أمر برد المال حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين : الزوجة والمال(٢٥).
ولا غرم إلا إذا طالب الزوج الكافر، فإذا حضر وطالب منعناها وغرمنا، فإن كانت ماتت قبل حضور الزوج لم نغرم المهر إذ لم يتحقق المنع، وإن كان المسمى خمراً وخنزيراً لم نغرم شيئاً ؛ لأنه لا قيمة له.
وللشافعي في هذه الآية قولان(٢٧) :
أحدهما : أن هذا منسوخ.
قال الشافعي : وإذا جاءتنا المرأة الحرة من أهل الهُدْنة مسلمة مهاجرة من الحرب إلى الإمام في دار الإسلام أو دار الحرب، فمن طلبها من ولي سوى زوجها منع منها بلا عوض، وإذا طلبها زوجها لنفسه أو غيره بوكالة، ففيه [ قولان ] :
أحدهما : أن يعطى [ زوجها ](٢٨) العوض لهذه الآية.
والثاني : لا يعطى الزوج المشرك الذي جاءت امرأته مسلمة العوضَ، فإن شرط الإمام ردّ النساء كان الشرط باطلاً منسوخاً، وليس عليه عوض، لأنه لا عوض للباطل.
أمر الله تعالى برد مثل ما أنفقوا إلى الأزواج، وأن المخاطب بهذا الإمام، ينفذ من بيت المالِ الذي لا يتعين له مصرف(٢٩). وقال مقاتل : يرد المهر الذي يتزوجها من المسلمين، وليس لزوجها الكافر شيء(٣٠). وقال قتادة : الحكم في رد الصداق إنما هو في نساء أهل العهد فأما [ من ] لا عهد بينه وبين المسلمين، فلا يُرَدُّ عليهم الصداق(٣١).
قال القرطبي(٣٢) :«والأمر كما قال ».
قوله :﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ أي : في أن تنكحوهن(٣٣).
وقوله :﴿إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ يجوز أن يكون ظرفاً محضاً، وأن يكون شرطاً، جوابه مقدَّر، أي : فلا جناح عليكم(٣٤).
ومعنى الآية : ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن أي : مهورهن، فأباح الله نكاحهن للمسلمين ؛ وإن كان لهن أزواج في دار الكفر ؛ لأن الإسلام فرق بينهن وبين أزواجهن الكُفَّار.
قال القرطبي(٣٥) : أباح نكاحهنَّ إذا أسلمن، وانقضت عدتهن لما ثبت في تحريم نكاح المشركة المعتدة، فإن أسلمت قبل الدخول ثبت النكاح في الحال.
قوله :﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾.
قرأ أبو عمرو في آخرين(٣٦) بضم التاء وفتح الميم وتشديد السين، وباقي السبعة - بتخفيفها - من «مسَك، وأمسك » بمعنى واحد.
يقال : أمسكت الحبل إمساكاً، ومسَّكته تمسيكاً، وفي التشديد مبالغة، والمخفف صالح لها أيضاً(٣٧).
وقرأ الحسن، وابن أبي ليلى، وأبو عمرو(٣٨)، وابن عامر في رواية عنهما :«تَمَسَّكُوا » - بالفتح في الجميع وتشديد السين - والأصل :«تَتمسَّكُوا » - بتاءين - فحذفت إحداهما.
وعن الحسن(٣٩) أيضاً :«تَمْسِكُوا » مضارع «مَسَك » ثلاثياً.
والعِصَم : جمع عِصْمَة، والعِصْمَة هاهنا : النِّكاح، يقول : من كانت له كافرة بمكة فلا يعقد بها فقد انقطعت عصمتها.
و«الكوافر » جمع «كافرة »، ك «ضوارب » في «ضاربة » و«صواحب »، ويحكى عن الكرخي الفقيه المعتزلي أنه قال :«الكوافر » يشمل الرجال والنساء.
قال الفارسي : فقلت له : النحويون لا يرون هذا إلاَّ في النساء جمع كافرة، فقال أبو علي : أليس يقال : طائفة كافرة وفرقة كافرة ؟، قال أبو عليٍّ : فبهت، وقلت : هذا تأييد إلهي.
قال شهاب الدين(٤٠) : وإنما أعجب بقوله لكونه معتزلياً، والحق أنه لا يجوز كافرة وصفاً للرجال إلا أن يكون الموصوف مذكوراً، نحو : هذه طائفة كافرة، أو في قوّة المذكور، أما أن يقال : طائفة باعتبار الطائفة غير المذكورة، ولا في قوة المذكورة بل لمجرد الاحتمال، ويجتمع جمع «فَاعِلَة » فهذا لا يجوز، وقول الفارسي :«لا يَرَونَ هذا إلا في النِّساءِ » فهذا يصح ولكنه الغالب، وقد يجمع «فاعل » وصف المذكر العاقل على «فواعل » وهو محفوظ نحو :«فوارس ونواكس ».
امرأتين ب «مكة » مشركتين : قريبة بنت أبي أمية، فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، وهما على شركهما ب «مكة »، وأم كلثوم بنت عمرو الخزاعية أم عبد الله بن المغيرة، فتزوجها أبو جهم بن حذافة، وهما على شركهما، فلما ولي عمر، قال أبو سفيان لمعاوية : طلق قريبة، لئلا يرى عمر صلبه في بيتك، فأبى معاوية، وكانت عند طلحة بن عبيد الله أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ففرق ال
قال ابن عباس رضي الله عنهما : جرى الصُّلح مع مشركي قريش عام الحديبية على أن من أتاه من أهل «مكة » رده إليهم، فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب، والنبي ﷺ بالحديبية بعد، فأقبل زوجها - وكان كافراً - وهو صيفي بن راهب.
وقيل : مسافر المخزومي، فقال : يا محمد، اردد عليّ امرأتي فإنك شرطت ذلك، وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية(٣).
وقيل : جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فجاء أهلها يسألون رسول الله ﷺ أن يردها.
وقيل : هربت من زوجها عمرو بن العاص، ومعها أخواها عمارة والوليد، فرد رسول الله إخوتها، وحبسها فقالوا للنبيّ ﷺ ردها علينا للشرط، فقال النبي ﷺ : كان الشَّرط في الرجال لا في النساء، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية(٤).
وعن عروة قال : كان مما اشترط سهيل بن عمرو على النبيِّ ﷺ في الحديبية ألاَّ يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه فكرهَ المؤمنون ذلك، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي ﷺ على ذلك، فردّ يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا ردّه في تلك المدة وإن كان مسلماً، حتى أنزل الله في المؤمنات ما أنزل، يومئ إلى أن الشرط في رد النساء نسخ بذلك.
وقيل(٥) : إن التي جاءت أميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الشمراخ، ففرت منه، وهو يومئذ كافرٌ، فتزوَّجها سهيل بن حنيف، فولدت له عبد الله. قاله زيد بن حبيب، نقله الماورديّ(٦). وأكثر أهل العلم أنها أم كلثوم بنت عقبة(٧).
قوله :﴿المؤمنات﴾ تسمية للشيء بما يدلي إليه ويقاربه ويشارفه ؛ أو في الظاهر(٨).
وقرئ «مُهَاجِرَاتٌ »(٩) - بالرفع - وخرجت على البدل.
فصل في دخول النساء عقد المهادنة لفظاً أو عموماً(١٠) :
اختلفوا هل دخل النساء في عقد المهادنة لفظاً أو عموماً ؟، فقالت طائفة : كان شرط ردهن في عقد الهُدنة صريحاً، فنسخ الله ردّهن من العقد ومنع منه، وبقاه في الرجال على ما كان، وهذا يدل على أن للنبي ﷺ أن يجتهد رأيه في الأحكام، ولكن لا يقرّه الله على خطأ.
وقالت طائفة : لم يشترط ردّهن في العقد لفظاً، وإنما أطلق العقد في ردِّهن أسلم، فكان ظاهر العموم اشتماله عليهن مع الرجال، فبين الله تعالى خروجهن عن عمومه، وفرق بينهن وبين الرجال لأمرين :
أحدهما : أنهن ذوات فروج يحرمن عليهم.
الثاني : أنهن أرقّ قلوباً، وأسرع تقلباً منهم، فأما المقيمة منهن على شركها فمردودة عليهم. ومن أسلمت فلا تردوها.
قوله :﴿فامتحنوهن﴾.
قيل(١١) : إنه كان من أرادت منهن إضرار زوجها، قالت : سأهاجر إلى محمد ﷺ فلذلك أمر النبي ﷺ بامتحانهن، واختلفوا فيما كان يمتحنهن به.
فقال ابن عباس : كان يمتحنهن بأن يُسْتَخْلَفْنَ بالله أنها ما خرجت من بغض زوجها، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقاً لرجل من المسلمين، ولا لحدث أحدثته، وما خرجت إلا رغبة في الإسلام، وحب الله ورسوله، فإذا حلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك أعطى النبي ﷺ زوجها مهرها، وما أنفق عليها، ولم يردها، فذلك قوله تعالى :﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾(١٢).
وروي عن ابن عباس أيضاً : أن المحنة كانت أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله(١٣).
وروى معمر عن الزهري عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : ما كان رسول الله ﷺ يمتحنهن إلا بالآية التي قال الله تعالى :﴿إِذَا جَاءَكَ المؤمنات يُبَايِعْنَكَ على أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بالله شَيْئاً﴾(١٤).
خرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
فصل :
قال أكثر العلماء على أن هذا ناسخ لما كان عليه الصلاة والسلام عاهد عليه قريشاً من أنه يرد عليهم من جاءه منهم مسلماً، فنسخ من ذلك النساء. وهذا مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن.
فصل :
قال القرطبي(١٥) : ولا يجوز أن يهادن الإمام العدو على أن يرد عليهم من جاءه مسلماً ؛ لأن إقامة المسلم بأرض الشرك لا تجوز، وهذا مذهب الكوفيين، وأجاز مالك عقد الصلح على ذلك. واحتج الكوفيون بأنَّ رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى قوم خثعم، فاعتصموا بالسجود فقتلهم، فوداهم رسول الله ﷺ [ بنصف الدية ](١٦) وقال :" أنَا بَريءٌ مِن كُلِّ مسلمٍ أقَامَ مع مُشركٍ بدارِ الحَرْبِ لا تَراءَى نَاراهُما " قالوا : فهذا ناسخ لرد المسلمين إلى المشركين، إذ كان رسول الله ﷺ قد برىء ممن أقام معهم في دار الحرب. ومذهب مالك والشافعيِّ أن هذا الحكم غير منسوخ.
قال الشافعي : وليس لأحد هذا العقد إلا الخليفة أو [ رجل ](١٧) يأمره، فمن عقد غير الخليفة هذا العقد فهو مردود(١٨).
قوله :﴿الله أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾هذه الجملة فائدتها بيان أنه لا سبيل لكم إلى ما تطمئن به النفس ويثلج الصدر من الإحاطة بحقيقة إيمانهن، فإن ذلك مما استأثر الله به.
قاله الزمخشري(١٩)، أي(٢٠) : هذا الامتحان لكم، والله أعلم بإيمانهن، لأنه متولي السرائر، وسمَّى الظن الغالب في قوله :﴿عَلِمْتُمُوهُنَّ﴾ علماً لما بينهما من القرب كما يقع الظَّن موقعه، وتقدم ذلك في البقرة(٢١).
قوله :﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾أي : بما يظهرن من الإيمان. وقيل : أي : علمتموهن مؤمنات قبل الامتحان(٢٢) ﴿فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ وقوله :﴿وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ تأكيد للأول لتلازمهما، وقيل : أراد استمرار الحكم بينهم فيما يستقبل كما هو في الحال ما داموا مشركين وهن مؤمنات(٢٣).
فصل في معنى الآية :
معنى الآية(٢٤) : لم يحل الله مؤمنة لكافر، وهذا أول دليل على أنَّ الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها الكافر إسلامها لا هجرتها.
وقال أبو حنيفة : الذي فرق بينهما هو اختلاف الدَّارين.
والصحيح الأول ؛ لأن الله - تعالى - بين العلّة، وهو عدم الحل بالإسلام لا باختلاف الدار.
قوله :﴿وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُواْ﴾.
أمر الله - تعالى - إذا أمسكت المرأة المسلمة أن يردّ على زوجها ما أنفق، وذلك من الوفاء بالعهدِ ؛ لأنه لما منع من أهله بحرمة الإسلام أمر برد المال حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين : الزوجة والمال(٢٥).
فصل في استحقاق الغرم بالمنع(٢٦) :
ولا غرم إلا إذا طالب الزوج الكافر، فإذا حضر وطالب منعناها وغرمنا، فإن كانت ماتت قبل حضور الزوج لم نغرم المهر إذ لم يتحقق المنع، وإن كان المسمى خمراً وخنزيراً لم نغرم شيئاً ؛ لأنه لا قيمة له.
وللشافعي في هذه الآية قولان(٢٧) :
أحدهما : أن هذا منسوخ.
قال الشافعي : وإذا جاءتنا المرأة الحرة من أهل الهُدْنة مسلمة مهاجرة من الحرب إلى الإمام في دار الإسلام أو دار الحرب، فمن طلبها من ولي سوى زوجها منع منها بلا عوض، وإذا طلبها زوجها لنفسه أو غيره بوكالة، ففيه [ قولان ] :
أحدهما : أن يعطى [ زوجها ](٢٨) العوض لهذه الآية.
والثاني : لا يعطى الزوج المشرك الذي جاءت امرأته مسلمة العوضَ، فإن شرط الإمام ردّ النساء كان الشرط باطلاً منسوخاً، وليس عليه عوض، لأنه لا عوض للباطل.
فصل :
أمر الله تعالى برد مثل ما أنفقوا إلى الأزواج، وأن المخاطب بهذا الإمام، ينفذ من بيت المالِ الذي لا يتعين له مصرف(٢٩). وقال مقاتل : يرد المهر الذي يتزوجها من المسلمين، وليس لزوجها الكافر شيء(٣٠). وقال قتادة : الحكم في رد الصداق إنما هو في نساء أهل العهد فأما [ من ] لا عهد بينه وبين المسلمين، فلا يُرَدُّ عليهم الصداق(٣١).
قال القرطبي(٣٢) :«والأمر كما قال ».
قوله :﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ أي : في أن تنكحوهن(٣٣).
وقوله :﴿إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ يجوز أن يكون ظرفاً محضاً، وأن يكون شرطاً، جوابه مقدَّر، أي : فلا جناح عليكم(٣٤).
فصل :
ومعنى الآية : ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن أي : مهورهن، فأباح الله نكاحهن للمسلمين ؛ وإن كان لهن أزواج في دار الكفر ؛ لأن الإسلام فرق بينهن وبين أزواجهن الكُفَّار.
قال القرطبي(٣٥) : أباح نكاحهنَّ إذا أسلمن، وانقضت عدتهن لما ثبت في تحريم نكاح المشركة المعتدة، فإن أسلمت قبل الدخول ثبت النكاح في الحال.
قوله :﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾.
قرأ أبو عمرو في آخرين(٣٦) بضم التاء وفتح الميم وتشديد السين، وباقي السبعة - بتخفيفها - من «مسَك، وأمسك » بمعنى واحد.
يقال : أمسكت الحبل إمساكاً، ومسَّكته تمسيكاً، وفي التشديد مبالغة، والمخفف صالح لها أيضاً(٣٧).
وقرأ الحسن، وابن أبي ليلى، وأبو عمرو(٣٨)، وابن عامر في رواية عنهما :«تَمَسَّكُوا » - بالفتح في الجميع وتشديد السين - والأصل :«تَتمسَّكُوا » - بتاءين - فحذفت إحداهما.
وعن الحسن(٣٩) أيضاً :«تَمْسِكُوا » مضارع «مَسَك » ثلاثياً.
والعِصَم : جمع عِصْمَة، والعِصْمَة هاهنا : النِّكاح، يقول : من كانت له كافرة بمكة فلا يعقد بها فقد انقطعت عصمتها.
و«الكوافر » جمع «كافرة »، ك «ضوارب » في «ضاربة » و«صواحب »، ويحكى عن الكرخي الفقيه المعتزلي أنه قال :«الكوافر » يشمل الرجال والنساء.
قال الفارسي : فقلت له : النحويون لا يرون هذا إلاَّ في النساء جمع كافرة، فقال أبو علي : أليس يقال : طائفة كافرة وفرقة كافرة ؟، قال أبو عليٍّ : فبهت، وقلت : هذا تأييد إلهي.
قال شهاب الدين(٤٠) : وإنما أعجب بقوله لكونه معتزلياً، والحق أنه لا يجوز كافرة وصفاً للرجال إلا أن يكون الموصوف مذكوراً، نحو : هذه طائفة كافرة، أو في قوّة المذكور، أما أن يقال : طائفة باعتبار الطائفة غير المذكورة، ولا في قوة المذكورة بل لمجرد الاحتمال، ويجتمع جمع «فَاعِلَة » فهذا لا يجوز، وقول الفارسي :«لا يَرَونَ هذا إلا في النِّساءِ » فهذا يصح ولكنه الغالب، وقد يجمع «فاعل » وصف المذكر العاقل على «فواعل » وهو محفوظ نحو :«فوارس ونواكس ».
فصل في المراد بالآية :
امرأتين ب «مكة » مشركتين : قريبة بنت أبي أمية، فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، وهما على شركهما ب «مكة »، وأم كلثوم بنت عمرو الخزاعية أم عبد الله بن المغيرة، فتزوجها أبو جهم بن حذافة، وهما على شركهما، فلما ولي عمر، قال أبو سفيان لمعاوية : طلق قريبة، لئلا يرى عمر صلبه في بيتك، فأبى معاوية، وكانت عند طلحة بن عبيد الله أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ففرق ال
١ في أ: الكفار..
٢ ينظر: القرطبي ١٨/٤١..
٣ ينظر المصدر السابق..
٤ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٠٦) وعزاه إلى الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف..
٥ ينظر: القرطبي ١٨/٤١..
٦ ينظر: النكت والعيون ٥/٥٢١..
٧ القرطبي: ١٨/٤١..
٨ ينظر: الدر المصون ٦/٣٠٦..
٩ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٥٤، والدر المصون ٦/٣٠٦..
١٠ ينظر: القرطبي ١٨/٤١..
١١ السابق ١٨/٤٢..
١٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٦٤) والبزار كما في "مجمع الزوائد" (٧/١٢٦) والحارث بن أبي أسامة كما في "المطالب العالية" (٣/٣٨٧) رقم (٣٧٧٧) عن ابن عباس
وقال الهيثمي (٧/١٢٦) رواه البزار وفيه قيس بن الربيع وثقه شعبة والثوري وضعفه غيرهما وبقية رجاله ثقات.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣١٠) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وقد حسن السيوطي سنده..
١٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٦٤) ومثله ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٠٨) وعزاه إلى ابن مردويه..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٦٤) عن عائشة..
١٥ ينظر القرطبي ١٨/٤٢..
١٦ سقط من أ..
١٧ في أ: أحد..
١٨ زاد في أ: عليه..
١٩ ينظر: الكشاف ٤/٥١٧، والدر المصون ٦/٣٠٦..
٢٠ في أ: أن..
٢١ آية رقم (٤٦)..
٢٢ ينظر: القرطبي ١٨/٤٢..
٢٣ ينظر: الدر المصون ٦/٣٠٦.
٢٤ ينظر: القرطبي ١٨/٤٣..
٢٥ ينظر السابق..
٢٦ السابق..
٢٧ في أ: وجهان..
٢٨ سقط في ب..
٢٩ ينظر: القرطبي ١٨/٤٣..
٣٠ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/٤٣)..
٣١ ينظر المصدر السابق..
٣٢ ينظر القرطبي ١٨/٤٣..
٣٣ ينظر: الدر المصون ٦/٣٠٦..
٣٤ السابق..
٣٥ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٨/٤٣..
٣٦ ينظر: السبعة ٦٣٣، والحجة ٦/٢٨٦، وإعراب القراءات ٢/٣٦٠، وحجة القراءات ٧٠٧، والعنوان ١٨٩، وشرح الطيبة ٦/٥١، وشرح شعلة ٦٠٢، وإتحاف ٢/٥٣٥..
٣٧ ينظر: الدر المصون ٦/٣٠٦..
٣٨ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٢٩٨، والبحر المحيط ٨/٢٥٤، والدر المصون ٦/٣٠٦..
٣٩ ينظر: إعراب القراءات ٢٢/٣٦٠، والسابق..
٤٠ ينظر: الدر المصون٦/٣٠٦..
٢ ينظر: القرطبي ١٨/٤١..
٣ ينظر المصدر السابق..
٤ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٠٦) وعزاه إلى الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف..
٥ ينظر: القرطبي ١٨/٤١..
٦ ينظر: النكت والعيون ٥/٥٢١..
٧ القرطبي: ١٨/٤١..
٨ ينظر: الدر المصون ٦/٣٠٦..
٩ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٥٤، والدر المصون ٦/٣٠٦..
١٠ ينظر: القرطبي ١٨/٤١..
١١ السابق ١٨/٤٢..
١٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٦٤) والبزار كما في "مجمع الزوائد" (٧/١٢٦) والحارث بن أبي أسامة كما في "المطالب العالية" (٣/٣٨٧) رقم (٣٧٧٧) عن ابن عباس
وقال الهيثمي (٧/١٢٦) رواه البزار وفيه قيس بن الربيع وثقه شعبة والثوري وضعفه غيرهما وبقية رجاله ثقات.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣١٠) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وقد حسن السيوطي سنده..
١٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٦٤) ومثله ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٠٨) وعزاه إلى ابن مردويه..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٦٤) عن عائشة..
١٥ ينظر القرطبي ١٨/٤٢..
١٦ سقط من أ..
١٧ في أ: أحد..
١٨ زاد في أ: عليه..
١٩ ينظر: الكشاف ٤/٥١٧، والدر المصون ٦/٣٠٦..
٢٠ في أ: أن..
٢١ آية رقم (٤٦)..
٢٢ ينظر: القرطبي ١٨/٤٢..
٢٣ ينظر: الدر المصون ٦/٣٠٦.
٢٤ ينظر: القرطبي ١٨/٤٣..
٢٥ ينظر السابق..
٢٦ السابق..
٢٧ في أ: وجهان..
٢٨ سقط في ب..
٢٩ ينظر: القرطبي ١٨/٤٣..
٣٠ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/٤٣)..
٣١ ينظر المصدر السابق..
٣٢ ينظر القرطبي ١٨/٤٣..
٣٣ ينظر: الدر المصون ٦/٣٠٦..
٣٤ السابق..
٣٥ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٨/٤٣..
٣٦ ينظر: السبعة ٦٣٣، والحجة ٦/٢٨٦، وإعراب القراءات ٢/٣٦٠، وحجة القراءات ٧٠٧، والعنوان ١٨٩، وشرح الطيبة ٦/٥١، وشرح شعلة ٦٠٢، وإتحاف ٢/٥٣٥..
٣٧ ينظر: الدر المصون ٦/٣٠٦..
٣٨ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٢٩٨، والبحر المحيط ٨/٢٥٤، والدر المصون ٦/٣٠٦..
٣٩ ينظر: إعراب القراءات ٢٢/٣٦٠، والسابق..
٤٠ ينظر: الدر المصون٦/٣٠٦..