الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني
عن الكتاب
لَمَّا بيَّنَ في السورة وبال الكفار وسوء حالاتهم، نهانا عن موالاتهم فقال: ﴿بِسمِ ٱللهِ ٱلرَّحْمٰنِ ٱلرَّحِيـمِ * يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾: الكفار ﴿أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ﴾: أخبار المؤمنين ﴿بِٱلْمَوَدَّةِ﴾: معهم نصحا كحاطم ابن أبي بلتعة، كتب سرا - بسبب أن أهله كانوا بينهم - إلى قريش أن النبي صلى الله عليه وسلم يأتيكم بجيشه فخذوا حذركم ثم اعتذر عنده صلى الله عليه وسلم فقبل عذره ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾: القرآن ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾: من مكة كراهة ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ﴾: أي: لا تتخذوا ما مر إن ﴿كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً﴾: مجاهدين ﴿فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ﴾: مبتغين ﴿مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ﴾: منكم ﴿بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ﴾: أي: الاتخاذ ﴿مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ﴾: أخطأ ﴿سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾: عدلها ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ﴾: يظفروا بكم ﴿يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُوۤاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوۤءِ﴾: كالقتل والشتم ﴿وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾: أي: تمنوا كفركم ﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾: قرابكم ﴿وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ﴾: الكفار ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ﴾: يفرق ﴿بَيْنَكُمْ﴾: أنتم في الجنة وهم في النار ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ﴾: أي: قدوة وهي اسم ما يقتدى به ﴿حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَ﴾: المؤمنين ﴿ٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ﴾: بالفعال ﴿وَٱلْبَغْضَآءُ﴾: بالقلوب ﴿أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾: فحينئذ نحبكم ﴿إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾: فما لكم فيه أسوة فإنه كان قبل نهيه فلا تستغفروا للكفار ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: عذابه وثوابه ﴿مِن شَيْءٍ﴾: ولا يلزم من استثناء المجموع استثناء هذا الجزء قولوا: ﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ * رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: بأن تسلطهم علينا، فيظنوا أن غلبتهم علينا، لأنهم على الحق ﴿وَٱغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾: فيما تريد ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ﴾: أي: إبراهيم ومن معه ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ﴾: بدل اشتمال من قوله لكم ﴿يَرْجُو ٱللَّهَ﴾: يخافه ﴿وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ﴾: عن الاقتداء لهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾: عنه ﴿ٱلْحَمِيدُ﴾: فلا يضر إلا نفسه، ثم لما اشتد وَجْدُ المسلمين بمعاداة أقاربهم، نزلت: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ﴾: أي: مشركي مكة ﴿مَّوَدَّةً﴾: بهدايتهم، فأسلموا بعد فتح مكة ﴿وَٱللَّهُ قَدِيرٌ وَٱللَّهُ غَفُورٌ﴾ لما سلف منكم من موالاتهم ﴿رَّحِيمٌ﴾: بكم ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ﴾: الإحسان إلى الكفرة ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾: بدل من الذين ﴿وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ﴾: تعاملوهم بالعدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: نسخ بالقتال ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ﴾: عاونوا ﴿عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ﴾: تتخذوهم أولياء ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ * يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ﴾: المظهرت إيمانهم ﴿مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾: بنحو تحليفهن على أنهن ما خرجن إلا لحب الإسلام ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾: يعني أنتم احكموا بمجرد الظاهر ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ﴾: ظننتموهن ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾ بالحَلفِ ﴿فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ﴾: لحُصُول الفرقة ﴿وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾: فلا يجوز الاستئناف، أو كرر مبالغة، وفيه دليل تكليف الكفار بالفروع ﴿وَآتُوهُم﴾: أي: أزواجهن الكفار ﴿مَّآ أَنفَقُواْ﴾: من مهورهن ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: مهروهن ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ﴾: جمع عصمة، يعني نكاح زوجاتكم ﴿ٱلْكَوَافِرِ﴾: نهي عن المقام على نكاح المشركات ﴿وَاسْأَلُواْ﴾: ممَّن تزوَّجَهُن من الكفار ﴿مَآ أَنفَقْتُمْ﴾: عليهن من مهورهن حيث لحقن بالكفار ﴿وَلْيَسْأَلُواْ﴾: منكم ﴿مَآ أَنفَقُواْ﴾: من مهور المهاجرات كما مر ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِن فَاتَكُمْ﴾: انفلت منكم ﴿شَيْءٌ﴾: واحدة أو أكثر ﴿مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾: ولم يؤدوا مهرها ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: أي: فجاءت عاقبتكم، أي: توبتكم من الظفر والغنيمة ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ﴾: المرتدات ﴿مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ﴾: عليهن من مهورهن ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾: ثم نسخ بقوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ﴾: بإسقاط الأجنة أو وأد البنات ﴿وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَٰنٍ﴾: بنسبة ولد إلى الزوج كذبا ﴿يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ﴾: بأن يلفظها بها ﴿وَ﴾: بين ﴿أَرْجُلِهِنَّ﴾: بالزنا أو الولد إذا وضعته سقط بين يديها ورجليها ﴿وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾: أي: طاعة الله تعالى، إذ لا طاعة في العصية ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾: بلا مصافحة ﴿وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: الكفار، وإن احتجتم إليهم لفقر ﴿قَدْ يَئِسُواْ مِنَ﴾: ثواب ﴿ٱلآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ﴾: أن ينالهم خير منهم، واختتم بما افتتح به اهتماما - واللهُ أعْلمُ، اللَّهُمَّ هوِّن علينا رزقنا.